السبت، 24 فبراير 2018

عزيزة قصة قصيرة Mohamed F. Mansour

قصة قصيرة
Mohamed F. Mansour
أول بنت أحببتها كانت تكبرني بسبع سنوات، قروية شابة ذات جدائل صفراء وعينان ناعستان زرقاوان تشعان مرحاً وطيبة وصدر ناهد كثمرتي رمان ناضجتين ..
وكنت صبياً لم يبلغ الحلم يأتي من المدينة كل صيف يرتع ويلعب ولايترك قناة إلاعبرها سباحة أو قفزاً، ولاشجرة إلا تسلقها حتى أعلى فروعها ..
كانت عزيزة جارتنا في البيت والحقل، أجلس بين يديها ضمن مجموعة من أطفال الجيران لتحكي لنا قصصاً عن العفاريت التي تسكن الحقول وأعالي الأشجار وتتربص بالنساء والأطفال .
كانت تحرص على أن تجلسني ملاصقاً لها باعتباري ضيفاً وافداً من المدينة التي تسطع فيها الأضواء ليل نهار و تخلو من العفاريت. تحيطني بذراعها وتضمني إليها حين يستبد بنا الهلع لتسكّن من روعي فتسري في أوصالي حرارة جسدها الطري، ويلملم الأطفال سيقانهم ويتداخلون في بعضهم خوفاً وهلعاً حين تصل إلى حكايات العفاريت التي تخدع الناس بملابسها البيضاء وتتحين الفرصة لتختطفهم إلى حيث لايعلمون ، كانت تمعن في وصف العفاريت وحيلها الكثيرة وتشبهها بمن نعرفهم حتى يلتبس الأمر علينا وهي تتزيا بزي الرجال مرة وبزي النساء مرة بينما سيقانها أشبه بسيقان ماعز رفيعة يكسوها شعر كثيف ، يستبد بهم الهلع فيغمضون أعينهم أو ينظرون إليها بعيون يملؤها الخوف ويحف بها الذباب ، فاغري الأفواه ، بينما ازداد التصاقاً بها مدارياً خوفي مااستطعت و أسرح في لون عينيها وهي تنتقل من موضع بالحكاية إلى آخر، تتلاعب بنبرات صوتها بمايناسب الحكاية إمعاناً في التأثير علينا، تهمس مرة فيتصاغر الأطفال منكمشين وتزعق أخرى فينتفضون رعباً ..
وصولي إلى القرية كل صيف كان إيذاناً ببدء موسم الحكايات اللذيذة التي تدخرها طوال الشتاء ، يستقبلني الأطفال بفرح حقيقي ثم يتسابقون ليزفوا إليها نبأ وصولي فتخف إلى بيت خالتي لتراني ، تضمني إلى صدرها البكر فيسري في بدني خدر لذيذ، وتطبع قبلتها الحارة فوق جبيني ككل عام فأذوب انتشاءً ومتعة ، أخرج من حقيبتي ماحملته لها ودسسته بين طيات ملابسي من صابون معطر وزجاجات عطر وكثير من الحلوى.
آخر عهدي بها لم يكن صيفاً ككل صيف ، لم أجد الأطفال في انتظاري ككل عام .. ولم تخف هي إليّ يسبقها شوق الانتظار وضحكتها التي تكشف عن ثغرها النضيد.
مر اليوم ثقيلاً بطيئ الخطى، ألمح الباب الكبير وهو يفتح بالرجاء ويغلق بخيبة الأمل وأنا أترصده من أعلى السلم المؤدي إلى السطح.
أتعلل بالصبر وبأنها ستظهر حتماً حتى لو غابت الشمس فبيتها غير بعيد .
ابتسمت خالتي وهي ترى حيرتي والسؤال يتعثر فوق شفاهي .
- أين اختفت عزيزة ؟
- في بيتها .
ثم استأنفت وقد أدركت أن إجابتها لم تشف غليلي .
- عزيزة صارت عروساً الآن وعريسها يغار عليها ولايريدها أن تغادر البيت.
هتفت كالمشدوه
- عروس !!
- وأنت أيضاً صرت رجلاً وعماقريب نفرح بك .
لم تفلح مداعباتها في تبديد ماأحس به من ضيق فقالت كالمواسية ..
- القرية كلها ستشارك في عرس عزيزة .. ستزف إلى عريسها الخميس القادم .. من حسن حظك أنك ستشهد موكب الزفاف الذي سيطوف القرية .
ياله من حظ !! ..
انسحبت إلى مكمني في الحجرة العلوية لأخلو إلى نفسي ، لماذا ضاق صدري وأبت الحروف أن تطاوع لساني فلم يجد مايقول ، عزيزة تكبرني بكثير ومن المؤكد أنني لم أكن بالنسبة لها أكثر من فتى المدينة المنعم الذي يحمل لها سراً العطور والحلوى
فلماذا أحس بمرارة الفقد ؟
جاء يوم الخميس ورأيت غريمي للمرة الأولى، شاب طويل القامة متين البنيان ورأيت في ذات الوقت عزيزة للمرة الأخيرة مكتملة الحسن والبهاء، نظرت ناحيتي وابتسمت فغمرني حزن شفيف ، كانا معاً يلبسان ملابس بيضاء سابغة وهو يمسك بمعصمها ليساعدها على الصعود إلى العربة التي التف حولها الأهل والأقارب يصفقون ويرقصون ، بينما تصاعدت الزغاريد حتى ضقت بأصواتها العالية ..
عدت مهموماً إلى حجرتي .. أتحسس زجاجة العطر التي ترقد في قاع الحقيبة وأستعرض آخر ماحفظته ذاكرتي لعزيزة والفتى ذو الملابس البيضاء يحملها إلى العربة ، وبينما كان ينحني ليجلس إلى جانبها ، لمحت ساقه الرفيعة أمامي طويلة عارية ذات شعر كثيف .
- ------
#M_M
( يمكن سماع القصة مقروءة بصوتي بصفحة نصوص للاستماع )

ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

لمحات من أحد طواغيت التاريخ (ستالين) (الإله.. الذي أنكروه) - عزت عبد العزيز حجازي - من كتاب جبروت الطاغية وطغيان الحاشية)

¨   بعد أن أطلقوا عليه في حياته أسماء كثيرة، كادت أن ترفعه إلى مقام الآلهة أو الأنبياء.. فقد قالوا عنه أنه:(أحب شعبه؛ وأنه "ال...

المشاركات الشائعة أخر 7 أيام