‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص للفتيان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص للفتيان. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 19 مايو 2017

كِتابُُُ يُحدِّثُ تلميذاً بمزاياهِ ،وينصحُ لَهْ قصة للفتيان بقلم عزت عبد العزيز حجازي


أيها الناشىء النجيب : أمعن فى النظر إلىّ ترنى جمعت بين جمال الظاهر ، وحسن الباطن ، غِلاف مُتقَن الصُّنع، مُحكم الوضع ، بديع الرُّواء ، يضمنى كما يضمّ الدرّ صدفُه ، والسيف قرابُه ، والجسم إهابه . ويحفظنى كما تحفظ الدروع صدور الفوارس ، والجفون أحداق العيون ، وبين الدَّفَّتين(1) صفحات ناصعة ، أبهى من صفحات البدور ، وألطف من وجوه السرور ، وأصقل من مرآة الحسناء ، وأصفى من أديم السماء . خُطّت عليها سطور كأنها وشْى البُرْد المُعْلَم ، أو الرَّوض المُنَمنْم (2) أو وشَم ظاهر كف ، فِرندُ (3) سيف ، أو نقش فى دينار ، أو دجىً ، فى نهار . وقد تحسبنى لبديع صفاتى، وباهر آياتى أُعْزَى (4) إلى الدر المخزون ، او الجوهر المكنون ، أو أمُت بصلة النسب إلى المسك الأحم(5) والعنبر الأشهب ، لا وربَّك ، إننى من طينة حمئةٍ تتقزر (6) منها النفس ، ويصدف عنها الطرف ، فلا تعجب أن إتسعت مسافة الخُلف ، بين الأصل والفرع . فالنخلة الباسقة ، نواة صغيرة ، والشجرة الوارفة ، بذرة حقيرة ، والمسك الأذفر ، بعض دم الغزال× . والذهب الإبريز (7) معدنه الرَّغام (8) وأصل الإنسان حمأ مسنون (9) ، أليس من الفحم الماس الثمين ؟ ، ومن دودة القز الدِّمَقس(10) المُفتَّل؟ ومن النحل مُصَفَّىَ العسل ، وهل يخرج النرجس إلا من بصل ؟. فإن كنت وضيع الحسب ، فإنى جم الأدب ، وإن فاتنى شرف العظاميين (11) ، فما عدانى فخر العصاميين (12). وإن أعوزنى كرم الآباء ، فقد حزت كريم الثناء . وإن حُرمت المجد المؤثل ، والعزّ التالد (13)، فلىَّ الأثر الباقى ، والذكر الخالد ، فلا يمنعك ما عرفت ، من دقة نسبى ، وضَمة حسبى ، أن تلتقط دُرّى ، وتجنى ثمرى . فقد قال الحكماء : ( اللؤلؤة الفائقة ، لا تهان لهوان غائصها ، الذى إستخرجها ، والحكمة ضالة المؤمن ، ينشدها حيث يجدها ) فلا تغّتر بقول
الأغرار(14) الذين يعيشون فى الأوهام ، ويتباهَوْن بالعظام(15) ، فليس الشرف بالآباء والأجداد ، وما كل ماجد يلد الأمجاد ،. وهأنذا أكشف لك عن محاسنى ، وأقفك على منابى ، تحدثاً بنعمة الله ، لا فخراً يرفعة أو جاه:- أنا أنس النفس ، وربيع القلب ، وغذاء الروح ، ومِلاك العقل ، ووعاء الحكمة ، وظرف الظَّرف ، أنا خزانة الدر ، ومعدن التبر ، وكنز التحف ، ومعدن الظَّرف ، ومتحف الآثار ، ومرآة الأخبار . أنا جلاء الأقذاء ، وصقال الأصداء ، وبرء الأدواء ، ونظام الآراء ، ومبعث الرشاد ، ومطلع السداد ، أثقف العقل ، وأقوم الفكر، وأهذب الأخلاق ، وألطف الطباع ، وأرهف الشعور ، وأرق الوجدان . أنا الأنيس فى الوحدة ، والسمير فى الوحشة ، والرفيق فى البدو والحضر ، والأليف فى الإقامة والسفر ، أسروا (16) الهم ، وأكشف الغم ، وأجلب الهناءة والسرور ، وأدفع السآمة والفتور . أنا صديق وفىّ ، وخِلّ أمين ، أصون الود ، وأحفظ العهد . لا أميل إذا مال الزمان ، ولا أحول (17)  إذا حال الإخوان . أنا سمير الملوك والأقيال (18) ، وحلية السوقة والأغفال(19) ، ومربى المتعلمين ، وأستاذ الأستاذين ، ومعلم العلماء ، ومرشد الحكماء ، الناطق بكل لسان ، والناقل عن كل إنسان ، كم حويت من قصة شائقة ، وفكاهة سائغة ، وعظة بالغة ، وحكمة بارعة ، ومثل سائر ، وشعر رصيف(20)، ونثر طريف ، تنشرنى وتطوينى ، وتُدنينى وتُقصينى ، فلا أعصى لم أمرا ، ولا أقتضيك جزاءً ولا شكراً . أنا رسالة السلف إلى الخلف ، ووديعة الآباء والأجداد ، إلى الأبناء والأحفاد ، لولاى لم يبعث العلم من رمثه ، ولا عرف الإنسان يومه من أمسه ، ولتقطعت به الأسباب ، وجهل الأحساب والأنساب . نظرت فى أخبار الأولين ، وآثار السالفين ، فجمعت لك أشهى الخبر ، وأطيب السير ، ولباب العلوم، وعصارة الأفكار ، سائغة جنية . لم تبذل فيها جهداً ، ولم تلق كداً ، فاتخذنى رفيقاً ، أُصَّفِكَ ودادى ، وأُجنِك شِهادى(21) .×



(3)  فرند السيف : وشيه (4)  أعزى : أنسب
(5)  الأحم : الأسود من كل شىء  (6) التقزر : التباعد  (7)  اللإبريز : الخالص
(8)  الرغام : التراب  (9)  الحمأ المسنون : الطين المنتن
(10)  الدمس : الحرير   (11)  العظاميون : الشرفاء بالوراثة 
(12)  العصاميون : الذين يسودون بأنفسهم  (13)  التالد : المال القديم 

(14) الأغرار : غير المجربين  (15)  العظام : المراد بها الأموات من الآباء والأجداد أسرو : أك
(16) أسرو : أكشف (17) حال : إنقلب
(18)  الأقيال : من هم دون الملوك (19) الأغفال : الذين لا حسب لهم
(20)  الرصيف : المحكم  (21) الشهاد : اللعسل فى الشمع 

الجمعة، 28 أبريل 2017

جائزة الماء قصة للفتيان تأليف السيد القماحي

جائزة الماء
قصة للفتيان
تأليف 
السيد القماحي



       دخلَ إلينا الفصل ، الأستاذ زكى .. توقف بُرهة صامتاً، ونحن فى صمت أيضاً ، نتطلع إليه ، وهو يتطلع إلينا .. ثم قال:
- إستعدوا .. سنقوم برحلة إلى الصحراء .. متىَ ؟.. يوم الجمعة القادم ، إستعدوا .
     أضاف ، فأسكت الهمهمة :
- ستكون مُنافسة قوية، بين كل مدارس الإعدادى والثانوى بالمُحافظة .. تسألون منافسة عن ماذا ؟ .. عن أفضل موضوع تكتبونه عن الماء ، هذه هى المُنافسة . وتركز نظر الأستاذ على وجهى ، ثم قال كلمة واحدة بهدوء : (أكتُب)!
     كان يعرف أنى أُكثِر من القراءة والإطلاع ، ومن نظراته ، تأكد لى أنه يخُصُّنى ، فأسعدنى ذلك، وضاعف من ثقتى فى نفسى .      إنطلقت أسئلة الزملاء:
- الموضوع عن الماء.. والرحلة إلى صحراء بعيدة ؟ .. لماذا ؟ ولماذا لا تكون إلى نهر ، أو بحر .. ليكُن فى كل الأحوال.. نحنُ مُستعدون .. نعم مُستعدون !
     عُدت إلى البيت ، وأخبرتُ أُمى بخبر الرحلة ، وبخبر تكليفى – تقريباً – بكتابة موضوع عن الماء ، فقالت :
- وأنا مُستعدة أيضاً.. سأجهز لك شراباً وطعاماً ، وحلوىَ تتناولها مع زملائك هُناك .
     وفى يوم الرحلة ، حملنا مع طعامنا (جركلاً ) كبيراً مُمتلئاً بالماء ، وانطلقت بنا سيارة كبيرة باكراً جداً، كانت تقف فى إنتظارنا أمام باب المدرسة ، وانطلقنا نحن بداخلها نُغنى ، بأغانى تعبر عن بهجتنا بهذه الرحلة ، لم نشعر بالساعات الطويلة التى قضيناها عبر الطريق ، الممتدة حتى وصولنا .
     لم يستجب لنا الأستاذ فوراً ، أن ننطلق جرياً ، على الرمال ، بمُجرد نزولنا من السيارة ، فقد كانت الصحراء المُنبسطة أمامنا ، والنظيفة ، بهوائها النقى المُنعش ، تدعونا بشدة للمرح ، تحت أضواء الصباح الهادئة.. لقد فضل الأستاذ تناول إفطارنا أولاً . أكلنا وتناولنا الحلوىََ ، وشربنا من (الجركل )  ، ثم تركناه قُرب السيارة وانطلقنا نجرى ، كما لو كُنا فى سِباق للجرى ، أو كعصافير الصباح المنطلقة ، وشاركنا الجرى الأستاذ زكى ، وحتى سائق السيارة، مُتحدياً سِنه الكبيرة، رأيناه يُناضل من أجل اللحاق بنا سعيداً ، مُستجيباً مثلنا لدعوة جو الصحراء الساحِر فوق الرمال الشاسعة المُسطحة ، بلا نهاية ، والتى كانت تجذبنا بسحر لا يُقاوم .
     جرينا كثيراً ، وتوغلنا ، وبعدنا جداً عن السيارة ، حتى بدت لنا من ورائنا ، أشبه بلُعبة صغيرة ، ألقوها بإهمال على الرمال
     ثم توقفنا نلهث ، عندما توقف الأستاذ زكى بصورة مُفاجئة، وهو يُشيرُ بإصبع السبابة إلى خطوط مُتعرجة على الرمال ، ورُحنا نتطلع معه إليها.، بفضولٍ وتركيزٍ - هل ترون هذه الخطوط ؟ .. إنها من نبش الفئران !
     سألت :
- لماذا تنبُش الفئران هُنَاَ ؟ .
- لتبحث عن غذاء الملوك ، الذى ينمو هنا ، كما يبدو ، وهو نوع من الفِطر الثمين ، ينمو فى الصحراء ، لكن تحت الرمال ، يسمونه أيضاً (الفجع )، أو (الكمأة ) .
- لكن لماذا يسمونه غذاء الملوك ؟
- لقيمِته الغذائية العالية ، ولطعمِه اللذيذ ، ألذ من لحم الضأن! وأيضاً لإرتفاع سعرِه .. الكيلو الواحد منه بألف درهم بالتمام!
     سأل أحدُنا مازحاً:
- وهل إذا أكله أحدنا صار ملِكَاً ؟!
     فأجابه الأستاذ :
- نعم ، إذا دفعت ألف درهم ثمناً للكيلو الواحد منه ، وأنت لن تستطيع ! ولذا لن تكون مَلِكَاً!     ضحكنا وسألنا أيضاً :
- كيف ينمو غذاء الملوك هنا ، وليس فى هذه الصحراء قطرة ماء واحدة ؟
- بماء المطر .. هذا المطر الغنى بالمعادن ، الذى يهطِلُ مع حدوث البرق والرعد ، نعم ، يهطِل هذا المطر ، مُختلطا أيضاً بمعادن هذه الصحراء الخِصبة ، فينبُتُ هذا الفطر ، الثمين والغنى بالمعادن الصحية ، لكنه يظل مُختفياً تحت الرمال ، ولا يعرف مكانه سوى البدو ، سُكان هذه الصحراء ، والفئران !
     صاح بعضُنا :
- إذاً هيا نبحث عن هذا الغذاء الملكى !
- هيَّا !
     وإنطلقت أيادينا ، تعمل النبش فى الرمال، بنشاطٍ حماسى عجيب ، كأننا نبحث عن كنز ! وخطوط الفئران كانت دليلنا، ونحن نبحث فى محاذاتها، وبالقرب منها!
     فجأة .. صاح أحدنا ، بفرح الصبية الصِغار ، وهو يرفع ذراعه عالية ، بشىء يمسكه فى يده :
- وجدته .. وجدته.. هاهو غذاء الملوك!
     تحلقنا سريعاً حول زميلنا هذا ، وأخذنا نُحدق فى هذا الشىء ، الذى يُشبه ثمرة البطاطا، إلا أنها كانت ثمرة مُستديرة بنية اللون.
     تناولها من يده الأستاذ ، وراح يعرضها أمام أنظارنا رافعاً ذراعيه ، وأخذَ يشرحُ :
- هاهو غذاء الملوك ! المُسمى الكمأة أو الفجع ، وأخذ يُعدِّد لنا مزاياه .
     صاح أحمد مازحاً
- هيا نأكُله إذن لنصير ملوكاً ! .. أقصد نقسمه فيما بيننا!
     فقال الأستاذ زكى:
- ليس قبل غسل هذه الثمرة بالماء .
     وتذكرنا الماء ! وتذكرنا أننا عطشى ، بسبب الأكل ، والجرى ، وتناول الحلوى .. فأسرعنا نجرى إلى ( جركل ) الماء ، عائدين فى إتجاه السيارة ، حيث تركناه بجوارها على الرمل .     وكانت مُفاجأة فى إنتظارنا هناك .. إختفاء ( الجركل ). أو بعبارة أخرى : سرقة (الجركل ) !
     وتردد السؤالُ الْمُحَيْر :
     ( أين إختفى (الجركل) ؟ ، وكيف؟ والصحراء من حولنا خالية تماماً من البشر ، وليسَ على ظهرها مخلوق واحد سوانا الآن !
     قادنا هذا السؤال إلى التطلع تحت أقدامنا، كماجالت أعيُننا هنا وهناك  ، ولاحظنا بدهشة أثار أقدام مُمتدة من موقعنا، إلى أماكن مجهولة ، تتبعناها بأنظارنا ، ورأيناها تمتد إلى الجهة المُعاكسة ، لتلك الجهة ، التى إنطلقنا إليها ، حين جرينا وابتعدنا عن السيارة ، فى أول الأمر.
     فوراً تكَون فريق منا، قادَهُ الأُستاذ زكى، بينما ظل فريق آخر واقفاً وحارسا ً، ومُنتظراً بجوار السيارة ، هذه المرة ! كُنت أنا ضمن فريق الأستاذ ، ورُحنا نمشى ونمشى على الرمال ، على هَدىْ آثار الأقدام ، إلى أن وصلنا خلف هضبة رملية مُرتفعة ، كانت تخفى ما وراءها، لنشاهد بعد صعودنا لها، على بُعدِ مسافةٍ ، خياماً مُنتصبة ، وأغناماً ترعىَ ، وكَلباً ، ما إن أحسَّ بوجودنا ، حتى أطلق نباحه مُدوياً ، كأنما عثر على لصوص، واندفع يُهاجمنا ، وكأنما ليُبلغ عنا بنباحه المدوى ! فخرج له رَجُل من خيمة ، ونهرهُ بصوت أقوىَ ، فأسكته فوراً ، فعادَ إلى الأغنام ، خافضاً ذيله ، وخرج رجُل آخر من خيمة مجاورة، وهو يحملُ فى يده بُندقية .
     شعرنا وكأنما كان خروجه بها ، مُتعمدِاً للقائنا !
     إقتربنا من الرجُلَين، وألقينا التحية ( السلامُ عليكُم ) ، فأجابا على تحيتنا ، بهدوءٍ وصرامةٍ .
     توجه الأستاذ إلى أكثرهما طُولاً :
- كُنا فى رحلةٍ ، يا أخا العرب ، وتركنا (جركل ) مُمتلئاً بالماء عند سيارتنا ، ثم جرينا فى الصحراء وابتعدنا ، وعندما عُدنا إلى السيارة ، فلم نجد (الجركل ) !
.. فقال الرَّجُل :
- يعنى أنتم بحاجةٍ للشربِ !
- نعَم !
     فنظر الرجُل إلى زميله ، حامِل البندقية، فتحرك هذا بهدوءٍ، وريبةٍ ، وهوَ ينظرُ إلينا من جانبٍ ، مُتفحصاً ، ودخلَ خيمته ، وعاد منها ، بقربةٍ ممتلئةٍ بالماءِ ، قدمها لنا صامتاً ، فأخذنا ، نتداولها فيما بيننا ، لنشرب واحداً بعد الآخر ، شُرباً مُمتزجاً بالخوفِ والقلقِ !  
     شكرناهُما ، وأسرعت أنا لأقول :
- هُناك زملاؤنا ، ينتظروننا  ، بحاجةٍ ليشربوا أيضاً !
     فقال الرجُل سريعاً:
- هاهىَ القربة .. خذوها ، لكن عليكم أن تدفعوا ألف درهم ثمناً لها !
     قالها الَّرَّجُل بجديةٍ ، وملامحٍ صارمةٍ ، صرامة لا تقبل المساومة ! .. ولاحظنا الرجُل المسلح يتحرك بهدوء  ، ليقف خلف ظهورنا ، كأنما ليُحاصرنا ، أو يمنعنا من الهرب !
     أضاف الرَّجُل الطويل ، الصارم :
- على أىِّ حال ، عليكُم أن تدفعوا المبلغ المطلوب كاملاً ، سواء أخذتم القربة أم لا .. لقد شربتم منها !
     ولم يكُن هُناك مجال للتفكير  ، أو إظهار للغضبِ ، أو للإستنكار ! ودفعنا أيادينا فى جيوبنا ، لنُخرج كل ما بها ، ولكن كانت حصيلة ما جمعناه ، لا يفى بنصفِ المطلوب ، أو حتى رُبعَهُ ، ( لقد وقعنا فى فخٍ ) هكذا شعرُ كُلُُ منا !
     رفض الرَّجُل المسلح قبول ما قدمناه، رفضاً قاطعاً ، وقال:
- ألف درهم ، لا تنقص فلساً واحِداً !
     فقال الأستاذ ، كاتماً غيظه :
- كُنا يا أخى ، فى رحلة إلى صحراءٍ ، وليس إلى سوقٍ ، فلم نحمل معنا نقوداً كافية!
     فقال الرَّجُل الطويل ، بنفس الحِدةِ والصرامةِ :
- إذا .. قدموا ساعاتكم وهواتفكم ، وكل مافى جيوبكم ، لتفوا بثمن القِربَة !
     وقد فعلنا .
     قدمنا لهما كُلَّ ما لدينا ، نقوداً وساعات، وهواتف ، وكاميرا ، وحتى نظارة شمسية ، كانت على وجه أحدُنا !
سألتُ الرَّجُل فى غيظ:
- هل ننصرف الآن ؟
- نعم .
     وتحركنا للإنصراف مُبتعدين ، نحمل فى نفوسنا ، غضباً مكتوماً ، وفى أيدينا قِربة وفى نفوسنا مرارة !
     بعد عدة خطوات، سمعنا ضحكات عالية ، صادرة من الرَّجُلين خلفنا .
     وعندما إلتفتنا إليهما، رأينا الرجل الصارم المسلح يُنادينا، ضاحكاً لأول مرة ، والرَّجُل الطويل يُشيرُ بيدهِ  إلينا :
- تعالوا يا أبطال المدينة .. يا شباب المُستقبل ، تعالوا ! هيَّاَ!
     أثناء رجوعنا إليهما.. لمحنا صبياً فى مثل عُمرنا ، يخرُج من خيمة ، ( حامِلاً بين يديه جركلُنا ) ، عرفنا فيما بعد أنه هو الذى كُلِِّفَ بالتسلُّل ، وأخذه من السيارة ، ثم أعاد إلينا الرجُل الطويل ، نقودنا ، وأشياءنا كُلَّها كاملة ، وهو يقولُ فى عِتابٍ وودٍ :
- هل أغناكُم غذاء الملوك عن الماء ؟!
     فهمنا المقصود ، واعتذرنا مرة أخرى ، وعاد إلينا مفهومنا عن أخلاق البدو العرب ، وقد تأثرنا بهذا الودِ المُفاجىء، المُصاحب للكرم العربى ، واتفقت أصواتنا على قولٍ ، صِرنا نُرددُهُ :
- نعم .. صدََقت يا أخا العرب ، نعم الماء هو الكنز الأغلى من غذاء الملوك ( وجعلنا من الماء كل شىء حى).. صدق الله العظيم .
     قال الرجًل بلهجة صديق :
- كُنا نراقبَكُم عن بُعدٍ .. من خلف الربوة الرملية ، ونراكم تجرون وتنهمكون بحثاً عن هذا ( الفجع ) ! .. مخلفينَ وراءكُم متاعكُم، وهذا الماء الذى جئتم به ! على العموم ، لولا حاجة زملاؤكم المنتظرين لشرب الماء الآن، لكنتُم اليوم ضيوفنا .
- شُكراً .. شُكرا ً ، هذه أخلاق العرب فعلاً .
     ثم تكلم حامِل البندقية ، قائلاً :
- نحنُ نُقيمُ فى الصحراء ، ساهرين بالسلاح لوجود بئر ماء هنا، نحرسُها ونُحافظ عليها ، لا خوفاً من سرقتها ، بل خوفاً من تلوثها ، أو ردمها ، بهبوبِ الرمالِ عليها ، فنحنُ نحيا بها ، وتحيا حيواناتنا وطيورُنا!
     فقال الأُستاذ زكى:
- صدقت يا أخا العرب .. نعم .. الماء هو أغلى من (الفجع).. الماء هو الحياة !
     شكرنا الرَّجُلَين مرة أخرى .. وتصافحنا بحرارة ، وانصرفنا بخجلٍ ، نحملُ القِربة الهدية ، (وجركلُنا) فى أيدينا، وقد برز فى عقلى الآن، أفضل عنوان ، جعلته لموضوع المسابقة،  الذى سوف أكتُبُهُ : ( الماءُ أغلىََ من غذاءِ الملوكْ ) ! .. وحازَ على جائزة الماء!
تمت




الخميس، 27 أبريل 2017

الحقول المعلقة قصة للفتيان تأليف الكاتب الكبير السيد القماحي

 الحقول المعلقة
قصة للفتيان
تأليف الكاتب الكبير
السيد القماحي

     خرجَ صالح من البيت مفزوعاً ، عند سماعِه أصوات إستغاثة.. صرخات نِساء ، وصيحات رجَال ، شاهدْهُم وهُمْ يُهرولون فى الشارع ، ويطلبونَ النجدة ، والنجاة من الله .
وكانَ أهل جزيرته جميعاً ، قد خرجوا من بيوتِهم ، وانطلقوا يجرون فى شوارعها ، وحاراتها الضيقة ، المؤديةُ إلى شاطىء البحر، حيث تجمعوا هُناك وراحوا ينظرون عبرَ مياه البحر الواسِع ، ويرفعون أيديهم إلى السَّماء لإنقاذ أبائهم !.. وقد عَلِمَ صالح ، أن قارباً قديماً مُتهالكاً ، قد إنقلب فى البحر ، أثناء عبوره إلى الشاطىء الآخر ، وألقىَ برُكابِه فى الماء ، وكان مُعظمهُم من شباب الجزيرة الهارب ، والمُهاجر سِراً وعَلناً ، مُغادراً جزيرته إلى الأبد !
     لم تكُن هذه الحادثة هى الأولىَ .
     فقد صارت تجرى مُحاولات عِدَّة هذه الأيام ، من الشباب، وظلت تجرى سِراَ على قدمٍ وساقٍ ، لركوب هذه القوارب ، الصغيرة والمُتهالكة ، ويدفعون مُقابل ذلك كل أموالهم، ثم بعد ذلك ، يدفعون أرواحهم !
     وبدلاً من الوصول إلى البلاد الغنية ، فى أوروبا وأمريكا ، التى تشدهم إليها أحلامهم ، يصلون بسرعة إلى قبورهم تحت الماء !
     بدأت تحدُّث هذه المُحاولات ، بعد أن كشَّرَتْ مياه البحار والمُحيطات عن أنيابها ، وأخذت تزحف ، شيئاً فشيئاً ، لتكتسح أمامها مساحات الأرض ، وتجتاح الحقول والمزارع وتُدَمِرُ الأشجار والمنازل .
     وشيئاً فشيئاً ، صارت مِساحة الجزيرة تتقلص مع الأيام ، وتضيق بسُكانِها ، ويَشِحُ الرزق فيها ، ويزدادُ الفقر ، وينتشرُ الجوع بين السُّكان ، الذين تكاثرت أعدادهم ، وتموت حيواناتهم وطيورهم  ، لأنها لا تجد غذاءها من الحّبِ والنبات .
     لهذا إضطربت الحياة إضطراباً ، فى هذه الجزيرة ، التى أطلقوا عليها إسم ( أرض البشر ) . وكانت من قبل تنْعَم بالغذاء الوافِر، والأمن والأمان . عندما كانت أعدادهم قليلة .  
     إبتعد صالح عن الجمع المُحتشد علىَ الشاطىء ، واختار لنفسه رُكنَّاً هادئاً بعيداً ، وجلس قُرب الماء يُفكر ، وساعدت صالح قراءته الكثيرة ، فى علوم الأرض والفضاء ، وفى علوم المناخ الذى إختل توازُنه الآن ، بعدََّما بدأ الناس يُهملون المُحافظة على بيئتهم ويقدمون إليها الإساءة ، بدلاً من الإحسان، واستمروا ، يلوثون الأرض بالكيماويات ، والمياه بالنفايات ، والهواء بدُخان مصانعهم ، فأحدثوا ما يُسمَّىَ (الإحتباس الحرارى ) الذى زادَ من حرارة الأرض ، وزادَ ذوبان الجليد ، وارتفاع المياه فى المُحيطات والبحار .
     وأخذَ صالح يُقلب فى فكرته الجديدة المُبتكرة ، التى قد بدأ العمل فى تنفيذها فعلاً لإنقاذ الجزيرة .
     والآن جعله الحادث الجديد والأليم ، لإخوانه وأهل جزيرته، يُصَمِّم بحسم الأمر ، ويخرُج بفكرته المُبتكرة بأسرع ما يُمكن .
     وبعد أيام ، شاهَدْ الناس صالحاً ، بأحد شوارع الجزيرة ، وهو يقود سيارته النصف نقل ، وعليها نموذج عجيب لبُرج صنعه من الحديد ، والأسمنت المُسلَّح ، مما جعل الناس يتوقفون وينظرون إليه بدهشة وعجب !
     كان بُرجَاً بطوابق مكشوفة ، محمولة بأعمدة خرسانية ، وكُلْ طابقٍ أشبه بسطح بيتٍ من البيوت ، يسمَح بدخول الهواء إليه من الجوانب الأربعة .
     كان البُرج إبتكاراً ، يُعَدْ من أحدَّث الإبتكارات ، لحَل مُشكلة الأرض فى الجزيرة ، التى صارت تتآكل ، وتنكمِش تحت أمواج المَد ، الزاحف من البحر المُحيط بالجزيرة ، مما يُعرضها لخطر الفناء التام .
     وتحَلَق المسئولون حولَ البُُرج ( النموذج ) يفحصونه ، وكان أشبه بعمارة سكنية ، مُرتفعة الطوابق ، ولكن بدلاًً من إسكانها بالبشر ، أسكَنها صالح أنواعاً من النباتات والزراعات ، وجعل كل نوع منها ينمو فى طابق ، من طوابق هذا البُرج الطوابق الخمسة عشر !
     الطابق الأول جعله لنبات البرسيم ، وحشائش الحيوانات ،     الطابق الثانى جعله للخضروات بأنواعها المختلفة ، والثالث لنبات القمح والشعير ، والرابع للذرة ، وهكذا ، والطابق الأخير لأشجار الفاكهة بأنواعها !
     وكما أوصل صالح لكل طابق حاجته من الماء العذب ، للري عبر أنابيب ، كما يحدُث فى البيوت ، لم ينس توصيل الإحتياجات الضرورية الأخرى ، من طاقات الشمس المختلفة ، من حرارة وضياء وفيتامينات ، حيث جعل لكل طابق ألواحاً كبيرة من المرايا ، تعكس أشعة الشمس من خارج البرج ، لتصبها على كل نبتة ، مهما كانت صغيرة ، من نبات كل طابق.
***
     صار الناس يتحدثون عن إنجاز هذا البرج العجيب ، وفوائده العائدة على سكان الجزيرة ، وقال رجُل طاعِن فى السِّن أمام جمع من الناس :
- ألم تكُن الوقاية خير من العلاج ؟ ما الداعى لإقامة مصانع كثيرة لصُنع دباديب للأطفال مثلاً ، ولدينا الدباديب الحيَّة فى الطبيعة ، لكن بدلاً من المحافظة عليها ، رُحنا نقتلها لنلبس فراءها ، وما الداعى لعمل مُكبرات صوت ، لتدمير الأعصاب المرهقة أصلاُ ، من كثرة الضوضاء ، ولدينا الأصوات البشرية الطبيعية الجميلة ؟!
     فقال له أحد الفتيان ، وكان مُتعلماً :
- لكِن يا عَمْ حامد .. هل نمنع إبتكارات العقل البشرى ، من إنجاز الجديد ، لحل مشاكلنا ؟ .. كهذا الإنجاز الذى تراه فى هذا البُرج المُبتكر .
     فقال عم حامد :
- أنا مع أى إبتكار جديد ، يحقق الخير ، وضد أى إبتكار يُسىء للطبيعة ، وها أنت ترىَ الطبيعة تردُ لنا الصاع صاعين ، بل عشرة صاعات ، عندما أسأنا إليها ، وها نحن نراها ، تُدمر الأرض تحت أقدام المياه الفائضة ، وتشعل الحرائق فى مناطق كثيرة ، وتحطم قرى ومُدناً بأكملها بالزلازل ! .. كان علينا أن نجد علاجا لهذه الملوثات ، قبل الشروع فى إنشاء هذه المصانع.
     وافق المستمعون على كلام عم حامد ، وقالوا له : ( أنت على حق ، وهذا البُرج المبتكر على حق )!
***
     إعتقد صالح أنه قد حل مشكلة الغذاء لأهل الجزيرة (1700نسمة ) ببرج واحد ، شيدته حكومة جزيرته ، ولم يكُن يعْلَم أنهُ فى الواقع ، قد حَلَّ مشكلة الغذاء لسكان الأرض جميعاً، بعدد محدود من الأبراج المُبتكرة ، ولهذا إستحق عن جداره لقب هو : ( أبو الحقول المعلقة !!

إنتهت



الثلاثاء، 25 أبريل 2017

بُكاء أُمنا الأرض - قصة للفتيان تأليف السيد القماحي



 بُكاء أُمنا الأرض

     فى مُنتصف الليل ، سمع القمر أنيناً ، فتلفَّت حوله .. لم ير إلا كوكب الزُّهرة، وكان أقرب الكواكب إليه ، يحمِل فى يده شمعة ..
     سألهُ القمر :
- هل أنت من يئن يا أخى كوكب الزُّهرة ؟
     قال كوكب الزهرة :
- لا .. لم يصدُر منى أى أنين ، يا عزيزى القمر .. لماذا تسألنى؟
     فقالَ القمر :
- مُنذ لحظة ، سمعت صوتاً ، كالذى يصدُّر من مريض يتألم ، لابُد أن سيدتى ( الأرض ) ، هى من يتألم ، فليس هُناك كواكب أُخرى ، أقرب من سواكُمَا .
     إتجه القمر إلى الأرض :
- هل أنت من يئن ، يا سيدتى ( الأرض ) ؟
     فقالت الأرض :
- نعم .. البشر يشعلونها ناراً ، فى جسدى الآن .. تصور ..؟!
     فقال القمر مُندهِشاً :
- ماذا ؟ .. حين رأيت هذه النيران المشتعلة عندك ، ظننتك توقدين شموعاً ، إحتفالاً بعِيد ميلادك ، وبلوغك العام الخمسة مليار ..!
- شُكراً يا عزيزى القمر ، لأنك تذكرت بلوغى العام الخمسة مليار .. لكن لو كنت أحتفل به ، لدعوتك ، إلى هذا الإحتفال، لكننى لا أحتفل .. بل أحترق ..!
     أثناء هذا الحديث ، ظهرت عن بُعد ، أضواء تبرُقُ ، ويبدو أنها تقترب ، شيئاً فشيئاً ، ثم إتضح أنها أضواء شموع ، يحملها إخوة الأرض من الكواكب ..كان كوكب الزهرة ، فى مُقدمتهم ، يحمل فى يده أكبر شمعة ، ومن ورائه كوكب المريخ، فكوكب المشترى ، فكوكب زُحَلْ ، فكوكب أُورانوس ، فكوكب نبتون ، فكوكب بلوتو !
     ظهر موكبهم ساطعاً متوهجاً ومهيباً ، فى السماء ، جاءوا مُشتركين فى عيد ميلاد أُختهم ، كوكب الأرض ، لكن الأرض بدت لهم غاضبة ، على غير توقُع ، بل وتبكى بحُرقة ، وقالت لهم:
- أشكركم على وفائكم ، واحتفالكم بى .. لكن من قال لكُم، أنى أحتفل بعيد ميلادى ؟
     فقال كوكب عُطارد :
- شاهدنا نيراناً ، مُشتعلة عندك ، تتصاعد ، فظنناها شموعاً ، توقدينها إحتفالاً ببلوغك العام خمسة مليار ..
     فقالت الأرض :
- ما شهدتموه ، ليس شموعاً ، بل هى نيران أشعلها ، سُكانى من البشر ، على جسمى ..!
     فقال عُطارد :
- لابُد أن هؤلاء البشر ، أرادوا الإحتفال بك بطريقتهم !
     فقالت الأرض :
- البشر لا يحتفلون بعيد ميلادى ، بل يجهلون العذاب ، الذى يصيبهم ويصيبنى ، إن عيد ميلادى الحقيقى ، هو اليوم الذى يطهرون فيه جسمى ، وسمائى ، من سموم مصانعهم ، ومُخلفَات نفضهم ، ونفاياتهم ، ودُخانهم ! ونيران حروبهم!
     فسأل القمر الأرض ، مُندهشاً :
- أكُل هذا يحدُّث لك ، يا سيدتى الأرض ؟ ونحنُ لا ندرى ؟!
-  لَما لم تطلبى عوناً منا ، أو من أُمنا الشمس .. أليست الشمس مسئولة عنا ،  أليست هى أمنا ؟
     فقالت الأرض :
- وماذا يُمكنك أن تفعل ، يا عزيزى القمر ؟ أو يفعل غيرك من إخواننا من المجموعة الشمسية ؟ ألا تعلم أنه يبعدُك عنى ، أربعمائة ألف كيلو متر ؟ ثم ماذا تفعل أمنا الشمس ؟ .. وهى تبعد عنى مسافة ( 149 ) مليون كيلو متر ؟
     فقال القمر :
- يُمكننى عمل شىء طبعاً .. بإمكانى رفع مياه البحار ، على سطحك ، بمقدار متر كامل ، أو أكثر .. وهو ما يسمونه (المد).
     فقالت الأرض :
- نعم .. أعلم أنك تستطيع ، يا عزيزى القمر ،  واعلم أن لديك قوة هذا المد والجزر ، ولك جاذبية ، تؤثر فى مياه البحار والمحيطات .. لكن أية نيران ، تستطيع أنت إطفاءها ؟!..نيران بترولهم .. أم نيران فحمهم .. أم نيران مُخلفاتهم، فى أريافهم ومُدنهم ،  أو نيران حروبهم ، بعضهم لبعض ..كذلك لا تستطيع ، يا عزيزى القمر ، إخماد ما يشتعل داخل مصانعهم ، أو داخل مُحركات سياراتهم ، التى تتكاثر ، يوماً بعد يوم بجنون.. مما يزيد من تلويثها لأجوائى ، وقتلها لكائناتى الحيَّة ، على سطحى ، وفى داخل مياهى العذبة فى الأنهار، وغير العذبة فى البحار ..!
     ثم أنا أخاف ، يا عزيزى القمر ، إذا ما إرتفع ماء مُحيطاتى، بتأثير مدَّك ، وجاذبيتك ، أن تحدث خطر الفيضان على سطحى ، محل خطر النيران ..!
     فقال القمر :
- فى هذه الحال ، نطلب من أُمنا الشمس ، أن تتدخل ، فلا ترسل أشعتها ، إلا بمقدار قليل ، محسوب ، فلا تذيب الثلوج ، فى القطبين ، الشمالى والجنوبى ، عندئذ لايرتفع المد ، ولا يحدث الفيضان .
     فقالت الأرض ، بلهجةِ عِتاب :
- لقد بدأ الذوبان الجليدى ، يحدث فعلا .. فلماذا لا تبادر أمنا الشمس ، بعمل ما ، من تلقاء نفسها .. أو ترحَمنى ؟ أليس بها ضوء تستطيع به أن ترى ؟! ألست أنا أحد الكواكب الثلاثة ، الأقرب إليها ؟ .. من بين أبنائها الكواكب ، الأحد عشر ؟!
     ثم راحت الأرض ، توجه عتابها للقمر أيضاً :
- وأنت يا عزيزى القمر ،  ألا تخفف قليلاً من تأثيرك الفضى على سُكانى ، من البشر ؟ ..
     هؤلاء الذين يضطربون من شدة ضيائك الليلى ، خاصة عند إكنمالك بدراً .. ألا تعلم ، أنك تجعلهم عُرضة للتقلُبات، والتوترات ، والنزيف الدموى ، بهذا الضياء الفضى ، أثناء إجرائهم للعمليات الجراحية ، داخل المستشفيات ؟! .. ألا تعلم أن هذا يحدث دون أن يعلم به الكثير ، من البشر أنفسهم ؟
فأسرع القمر ، يدافع عن نفسه :
- معقول يحدُّث هذا منى ، يا سيدتى الأرض ؟!.. هل لدىَّ من قوة جاذبية ، ما يفعل هذا بسُكانك من البشر ، كل هذا الفعل؟! .. ثم كيف تكون لى قوة جذب، وأنت نفسك ، تتفوقين علىّْ فى قوة الجاذبية بمقدار ( 5012 ) مرة ؟!
     فقالت الأرض :
- أنت لك سِحرُكْ .. يا عزيزى القمر ، أنسيت ما قيل فيك من شِعر ، وغزَل على لِسان الشُّعراء البشر ؟ .. وهل نسيت أنهم يتسابقون ، فى صُنع السُّفُن الفضائية ، للوصول إليك ؟!
     فقال القمر ضاحكاً :
- خدعهم ضيائى .. يا سيدتى الأرض .. ! مع أن وجهى الحقيقى ، ليس إلا مُجرد رِمال وصخور ، عاكسة لضياء أُمنا الشمس ..!
     فقالت الأرض :
- أشعر بأنك تريد الغروب الآن ، وتختفى خلف ظهرى ، هيا إلى النوم ، وأرى إخوتى الكواكب فى مجموعتنا الشمسية ، وقد أوشكت الشموع ، أن تنطفىء فى أيديهم ، وقد حَلَّ بهم التعب، وهاجمهم النعاس ..! هيا إلى مضاجعكم .., شُكراً لكم..
     فقال القمر :
- عفواً .. سيدتى الأرض .. وماذا عن هذه النيران ، المشتعلة فى جسمك الآن .. والدخان الكثيف المتصاعد منها فى

الأجواء؟
فقالت الأرض :
-   لا تقلق ، يا عزيزى القمر ..  عندما يبدأ هؤلاء الناس بالإختناق ، من جراء هذا الدخان .. ومن هذا العبث المجنون!.. سوف يتحرك عقلاؤهم .. ويعثرون حتماً ، على حل لمُشكلتى.. تصبحون جميعاً ، على خير ..!
-        
إنتهت


مشاركة مميزة

لمحات من أحد طواغيت التاريخ (ستالين) (الإله.. الذي أنكروه) - عزت عبد العزيز حجازي - من كتاب جبروت الطاغية وطغيان الحاشية)

¨   بعد أن أطلقوا عليه في حياته أسماء كثيرة، كادت أن ترفعه إلى مقام الآلهة أو الأنبياء.. فقد قالوا عنه أنه:(أحب شعبه؛ وأنه "ال...

المشاركات الشائعة أخر 7 أيام