‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب سيرة ذاتية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب سيرة ذاتية. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 12 مايو 2017

47 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

47 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة
حزمت حقيبتي وشرعت في طريق عودتي نحو الفوج وأنا أستشيط غضبا وتنتابني انفعالات لست بقادر على وصفها وترجمتها.
الطريق من المقر في قمة الجبل هبوطا نحو طريق عام دمشق ـ درعا تستغرق ما يقرب من مسيرة ساعتين، بل تزيد قليلا، فالأرض وعرة غير ممهدة ولا هي مطروقة قبل وقوامها صخر وشوك وعقارب وضباب وسحال وغير ذلك من فصيلة الحيوانات الوحشية أيضا!
كانت الساعة ـ حين شرعت في طريق عو

دتي ـ قد تخطت الخامسة بقليل في يوم صيفي من شهر حزيران، ولم يكن ثمة شيء يؤنس وحشتي في ذاك المسير سوى بضعة أفكار عنيفة متمردة ثثشبث بعقلي وتصرف انتباهي عن وخزات شوك كانت تجرحني وتدميني دون أن أنتبه إليها !
وأحمد الله تعالى أنني وصلت الطريق العام قبيل المغرب بقليل وحالتي يرثى لها ! فمن يراني يظن أنني مستحاثة قد خرجت لتوها من قبر ! فشعر رأسي أشعث، ولحيتي سوداء مغبرة، و ملابسي قد علتها الأتربة، و هي تكاد تكون ممزقة... آه يالسوء حالي!
وقفت على الطريق أنتظر إحدى الحافلات تقلني من هذا المكان الموحش المقفر إلى دمشق، لكنه ما من شيء يشير إلى وجود أمل في ذلك، إذ ما من حافلة صغيرة أو كبيرة تريد الوقوف لتحملني، فالطريق طويلة ممتدة تمر به الحافلات مر السحاب ولا تكترث بوجوي، بل ربما لم يكن ليخطر ببال سائق وجود شخص في هذا المكان الذي خلا تماما من بناء و سكان، بل ربما لم تكن المسافة لحظة مشاهدة السائق إياي لتسمح له بالتوقف الفجائي!!
يا إلهي ها هي العتمة بدأت تتغشى المكان، و قد غدوت على خوف و قلق و توتر و يأس ! و ليس بمقدوري فعل شيء إزاء الحالة التي أمسيت عليها، إذ يستحيل علي أن أعود إلى المقر، كما و أنه ليس ثمة مكان آمن ها هنا آوي إليه! ... بدأت أتمتم بما أحفظ من آيات كريمات وأدعية أسأل الله تعالى بها فرجا لما أنا فيه
وما زلت على هذه الحال و أنا أشير إلى أية سيارة عابرة حتى جاء الفرج و تباطأت مركبة طويلة [براد] مؤذنة بوقوف ... و قد تعثرت قدماي و أنا أركض للصعود إليها! حتى إذا استويت إلى جانب السائق و كانت أنفاسي تتلاحق و تتقطع، ألقيت عليه تحيتي وامتناني لحسن مبادرته بالتوقف لحملي، فكان أن رد التحية بعبارات مفعمة بكريم أخلاق و ودادة جعلتني أغتبط و أغبط نفسي أن ساق الله إلي هذا الرجل على ما هو عليه من فهم و لباقة ...
شكرت الرجل على حسن صنيعه إذ توقف لحملي في مكان يكاد يكون مريبا و في محل شك بوجود شخص فيه
رد علي الرجل بكلمات هدأت من روعي و قال بأنه من الأردن و أنه الآن في طريقه إلى صحنايا لتفريغ حمله من خضار، وأن بإمكاني النزول عند مفرق يصل إليه [باص] الميدان، و منه أغدو في قلب العاصمة
و كان الرجل أبدى دهشته من تواجدي في هكذا مكان؟!.. وحين عرف قصتي كان قد أبدى استغرابه بوجود ملتح بين أفراد الجيش السوري! فأكدت له وجود حالات نادرة جدا من هذا القبيل، و أنني من هذه الندرة، و أنني أعاني ضغوطا جراء ذلك ... ثم لم ألبث أن حولت مجرى الحديث لأسأله عما دعاه إلى انتشالي من هذا المكان؟ فتبسم و قال: تلك هي المروءة التي نشأ عليها العرب الأقحاح، لكن الذين نراهم اليوم قد خلت منهم القيم العربية الأصيلة...
هنا كنا قد وصلنا مفرق صحنايا فتوقف الرجل و دلني على مكان توقف باص الميدان .. شكرته و شكرت شعب الأردن
لما هو عليه من كريم أخلاق
ــ يحيى محمد سمونة

.حلب ــ

الخميس، 4 مايو 2017

45 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

45 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة
في أدبياتنا، و في تراثنا العربي ثمة من يقول: [روي عن فلان أنه قال: ... كذا ] 
فأي مقالة أو رواية من هذا القبيل فإنها في التحقيق العلمي مرفوضة و لا يؤخذ و لا يعتد بها في أمور تخص بناء و إنشاء العلاقات عند الأفراد، و قد علق علماء الأصول على مقالات من هذا القبيل بقولهم: تلك رواية بصيغة التمريض [أي لا يعرف على وجه الدقة و التحقيق من نقل هذه الرواية عن قائلها فهي إذن رواية ممروضة ، أي لا يعتد بها و لا تقوم به
ا حجة و لا يعول عليها في شيء]
و لقد رأيتني و أنا أثقف نفسي في مقتبل الشباب [1970 و ما تلاها] أمر بروايات من شاكلة تلك الروايات فأعرض عنها و أربأ بنفسي عن الأخذ بها أو أن أبرمج لحياتي على أساس منها،إذ كم من رواية من مثلها تشعرك أنك أمام حبل من الأكاذيب و الافتراءات التي لا يجود بها منطق عقلي سوي وسليم
لكنه مع دخول هذه الأمة عصر العولمة [تضاربت الآراء كثيرا حول مفهوم هذه الكلمة ـ العولمة ـ و الذي أراه أنها كلمة مولدة و ترجمتها إلى العربية لا تعبر عن حقيقتها!! غير أنها تعني أن الرأي الوحيد الأوحد في تنظيم شؤون الإنسان و الذي يجب أن تخضع و تذل له شعوب الأرض قاطبة إنما هو رأي دولة القوة فحسب ! أي ليس لدولة القانون و لا لدولة الدين و لا لدولة المجتمع المدني رأيا في تنظيم شؤون الإنسان بل هي فلسفة القوة و حسب!]
إنه مع دخول هذه الأمة عصر العولمة بدأ ينشط أصحاب المقالات الممروضة التي لا تدرك نسبتها حقيقة إلى قائلها .. بدأ يجود أولئك علينا بروايات تجعل المتتبع لها يصل إلى حافة الهاوية و هو معصوب العينين !
و الذي يزيد الأمر سوءا أن بعضا ممن ينسب إلى طليعة واعية مثقفة متنورة تجده يتشبث بتلك الروايات ـ التراثي منها و المعاصر ـ و ينافح عنها و يجابه و يواجه المجتمع بها و كأنها عنوان أصالة و عراقة و مجد ! و هو لا يدري أنه بذلك يكرس لمجتمع متخلف ضعيف متشكك بجذوره و أصالته و وجوده !
إن منافحة المثقف من هذه الأمة عن مثل تلك الروايات يعني أنه شريك متضامن مع أعداء هذه الأمة الذين لا يرومون لها إلا أن تبقى تبعا لدولة القوة حيث القطب الوحيد المتفرد و المتخصص بكسر و تهشيم الأذرع
و لقد رأيتني إذ أسطر علاقاتي أتجنب أن أكرس لمجتمع العولمة و فلسفتة المنتنة التي تسعى إلى قهر و إذلال أمتنا ـ أمة العرب ـ بشتى الوسائل
ـ يحيى محمد سمونة.حلب ـ


الأحد، 30 أبريل 2017

44 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة



44 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"

  • يكتبها: يحيى محمد سمونة
  • في العام [1973] وما تلاه، بدأت ألحظ هوة كانت تتسع شيئا فشيئا ما بين العلم والسلوك الذي بدا عليه أفراد هذه الأمة [المراد بأفراد الأمة أي المواطن العربي بجميع أطيافه ومراتبه ودرجات مسؤولياته] حيث بدأ هذا الفرد يسطر أفعاله ببلاهة و غباء! وبدا الخط البياني لأفعاله يشير إلى تعرجات كثيرة لا استقامة فيها! فبعض العرب ـ وأخص الزعماء منهم ـ راح يخطط ويبرمج وينفذ وفقا لمقتضيات السياسة الرعناء دون العلم! و بعض العرب ـ و أخص بالذكر منهم رواد الثقافة و الأدب ـ قد كان نتاجهم كله يسير وفقا لما تقتضيه مصالحهم، وتلبية لاحتياجاتهم فحسب! ولم يكن نتاجهم يصب في مصلحة الوطن والأمة بحيث يعمل الواحد منهم ـ أي من الأدباء ـ على التكريس لمجتمع العلم والفكر السوي الصحيح السليم الذي يرقى بالأمة ويضعها على عتبة سلم الحضارة!
  • وبعض العرب ـ وأخص بالذكر منهم رجال المال والاقتصاد ـ فهؤلاء لم يعد يهمهم من قريب أومن بعيد القيم الأخلاقية الفاضلة بل حسبهم تنمية رأس المال بأي طريقة و أسلوب كان! وذلك دون إقامة اعتبار للعلم و الثقافة [بالمناسبة هنا فإن العلم عندي يعني: المصنع الذي ينتج السلوك الحضاري للفرد ويضعه على عتبة بناء متكامل من القوة و المجد، وهذا يعني أن أيما مصنع يضع من قيمة الإنسان وينال من استقراره النفسي والبدني فهو لايقوم على أساس علمي! بل ربما قام على أساس تحطيم الإنسان والقضاء عليه وعلى قدراته ومكتسباته ومنجزاته.
  • ذات يوم كنا على مقاعد الدراسة وكان مدرس الفيزياء [أ. أحمد. ز] ـ هو رجل خبير ومتمكن جدا من مادته ـ يشرح لنا الدرس الذي يتطلب منا التركيز الشديد وكان يبذل جهدا مضاعفا في الشرح! لكن إذاعة المدرسة التي كانت تقوم عليها لجنة من الشبيبة، كانت تبث بشكل صارخ الأغاني القومية وذلك ابتهاجا بتجديد البيعة للرئيس، لكن أستاذنا القدير هذا كان يصبر ويكابر في صبره بسبب تداخل صوته مع صوت الإذاعة الذي كان يخترق النوافذ والجدران والآذان ويحول دون فهمنا لشرح الأستاذ الذي ما لبث ان فقد صبره وقذف من يده بقوة قطعة طبشور كان يحملها ثم قال موجها كلامه إلى أحد الطلاب قم ياهذا وقل لهؤلاء ال[...] قد قلنا نعم وانتهينا فعلام هذه الضجيج الآن بعد أن قضي الأمر!
  • لقد كان هذا الموقف وما يحمله من دلالات بالنسبة لنا معشر الطلاب يعني جرأة في
  • يحيى محمد سمونة. حلب


الأربعاء، 26 أبريل 2017

43 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

43 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة


في مطلع القرن الحالي كان المشهد الثقافي في الساحة العربية يثير في النفس الشفقة للذي سيؤول إليه وضع هذه الأمة! 
هذا ما انتهى إليه تفكيري بعد أن تبلورت عندي معالم الفكر و استوى عندي الفهم و بدات أنظر إلى الأمور بوعي و جدية و بدأت أغوص مبحرا فيما وراء الكلمات و المفاهيم و تجليات الأحداث و مفرداتها و العوامل المسببة لها و الكامنة وراءها، لقد بات يتملكني الشعور بأن ما يتم طرحه في ساحة الثقافة العربية لا يعدو أن يكون ما بين غثاء و ثغاء و بضعة من سموم لا يفطن لها إلا من كان ثاقب الرؤية و النظر، و كان يعرف أبعاد اللعبة و أوراقها، و كان يحفظ دهاليز السياسة و مكرها و خفاياها.
لقد كان من المفترض لأي طرح ثقافي سوي وسليم أن يثقف الإنسان و يهذبه و يسوي سلوكه و ينمي أحاسيسه و مشاعره و قيم الخير و الجمال و الطهر فيه ـ قلت: أليس ذاك هو مفهوم الثقافة في لغة العرب؟ حيث سويت النبال و ثقفتها بمعنى أنني لم أدع فيها نتوءا و لا اعوجاجا ـ
لكن المشهد الثقافي في الساحة العربية في نهايات القرن العشرين و بدايات القرن الحالي كان يوحي بغير هذا!! حيث لم تعد الثقافة تثقف الفرد العربي و لا تهذبه و لا تقوم [بتشديد الواو] اعوجاجه !! بل بدا الطرح الثقافي آنذاك يبعث في نفس الفرد العربي قيم الرذيلة و الفساد و يذكي فيه عوامل الإنحراف و السقوط ! و يسوقه سوقا كي يكون [أي الفرد العربي] مجرما بحق نفسه و بحق مجتمعه!
لست أدري من أين أبدأ معكم الحديث أيها الأحبة عن المشهد الثقافي المعاصر و انحطاطه ! فهل أبدأ معكم من العلم ؟ أم من المعرفة ؟ أم من الفكر الأخرق ؟
لكنني بداية أقول و أنا كشاهد على ما تم طرحه في ساحتنا الثقافية في الفترة[ 1967 - 2017] عبر جميع وسائل الإعلام و وسائط التواصل الاجتماعي، أن سلوك الفرد العربي و طرق إنشائه لعلاقاته كافة خلال تلك الفترة إنما قامت وفق ثقافة موتورة و فلسفة مريضة و لعل أكبر دليل على ذلك هو ما وصل إليه حال العرب اليوم! ذلك باعتبار أن الأس و الأصل في صحة السلوك من عدم صحته إنما هو جذور الفرد الثقافية، فمن انطلق في إنشاء علاقاته من ثقافة سوية فحتما سيكون السلوك صحيحا سويا بلا خلاف و العكس يكون صحيحا بلا خلاف، لكن ثمة من استلم طلائع الثقافة في هذه الأمة و بدأ يسوقها حيث شاء و كيف شاء و أنى شاء!

ــ يحيى محمد سمونة.حلب ــ

الثلاثاء، 18 أبريل 2017

41 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة


41 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة
لم تكن مسألة اختفاء الأقلام ذات العمق الثقافي الفاعل في ساحة الثقافة العربية عفوية أو بسبب عقم رحم ثقافة العرب عن إنجاب طلائع و رواد و عظماء، بل على العكس من ذلك فإن أرض العروبة لا تزال لديها قابلية أن ترفد المجتمع الدولي عموما بقامات ثقافية سواء في العلم و الفكر و المعرفة و الأدب تناطح السحاب و يتقازم أمامها رجال لا يزال الإعلام المسيس يجعل منهم عمالقة علم و فكر و أدب!
ذات يوم ـ في العقدين الأخيرين من القرن العشرين ـ قرأت مقالا في إحدى الدوريات العربية المطبوعة، بعنوان: مرض عصري اسمه الطاعة. !! فيه يتحدث الكاتب [ هو علماني النزعة ] عن أن آفة العرب في عصرهم هذا و مرضهم الذي أدى إلى أفول نجمهم إلى غير رجعة! هي الطاعة! حيث المراة تطيع زوجها و الولد يطيع والده و الجندي يطيع القائد و هكذا إلى أن يصل إلى مسألة خنوع الشعب و طاعته للديكتاتور !!
و طبعا بغض النظر عن صحة أو عدم صحة هذه الفكرة و ما تحمله من توجيهات سليمة أو غير سليمة فإن غرضي من استعراض هذا الكلام القول بأنه في تلك الآونة بدأت وجوه جديدة ذات طابع لا ديني تتبوأ مكان الإدارة في الدوريات العربية المطبوعة ذات الشهرة الواسعة! و جاء ذلك كردة فعل على ظهور بذرة تطرف في الفكر الديني الذي بدأ يتبنى فكرة مقارعة الأنظمة المستبدة و ما ينجم و يلزم عنها من انحلال أخلاقى في المجتمعات العربية !
و إذن فإن استبدال رؤساء تحرير الدوريات العربية ذات الصلة بالثقافة و الأدب و السياسة بأصحاب توجه علماني إنما جاء بناء على تعليمات جهات وصائية لا تريد بهذه الأمة خيرا ! لا لكون الفكر العلماني هو البديل الصحيح لفكر مهيمن متزمت، بال ـ بحسب رأيهم ـ بل لأن المجتمعات العربية لا بد لها أن تستمر في حالة هياج و توتر على صعيد الثقافة و الفكر و السلوك
لقد حاولت بعد قراءتي للمقالة المنشورة التي حدثتكم عنها آنفا أن أكتب ردا منطقيا و موضوعيا مناسبا لها غير أنني كنت قد صادفت صديقا لي صحفيا قال لي بأنه قام بالرد على تلك المقالة لم يجد لذلك آذانا صاغية! ذلك أنه ثمة تناغم فكري بين الكاتب صاحب المقال و طاقم رئاسة تحرير المجلة الجديد الذي غدا يقيس الأمور بمقاساته وفقا لإعتبارات سياسية و فلسفية وفكرية ضيقة الأفق! يلزم عنها إيجاد شرخ بين أصالة الثقافة و الفكر و بين السلوك السوي

ـ يحيى محمد سمونة.حلب ـ


السبت، 15 أبريل 2017

40 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

40 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة
صحيح أنني لم أستطع التغريد خارج سربي غير أنها كانت تطربني تغريدات غيري ممن ملك ناصية البيان بقوة و اقتدار، و لم يكن يلحن في تغريداته ـ و إلا فالعرب لا تحب الذي يلحن في لغتها و لا يتقن صناعة البيان و أصول البلاغة فيها ـ
قال لي صديقي يوما ليتك تكتب و تنشر فإن في ذلك فائدة لك و للمجتمع و الناس و على الأخص إذا وجد من ينشر لك بلغة أجنبية فعند ذاك ستتسع دائرة الفائدة و يعود ذلك عليك بخير عميم و نفع
لم تكن مسألة النشر لتشغل بالي بقدر ما كنت أفكر في صعوبات جمة تواجه مجتمعات اليوم و على الأخص مجتمعنا العربي الذي لا يزال على معاناة شديدة في ظروف عيشه و تلك الشوكة التي تم زرعها في قلبه و فؤاده، الأمر الذي جعل الفرد في هذا المجتمع يعيش حالة من توتر و قلق و سخط و تمرد و حيرة من أمره
يالها من معادلة صعبة جدا .. فالوعي و الثقافة مسألة ضرورية في مجتمع يريد أن يتطور لكن حالة الاضطراب التي يولدها أصحاب المصالح و السياسات لدى الناس لا تسمح لهم ـ أي للناس ـ بتفكير سوي و متوازن و بالتالي سيبقى أفراد المجتمع بكافة أطيافه و شرائحه و مستوياته الثقافية و الإدارية في حالة تخبط و نزع و تقهقر و ضياع
و إذن سيبقى المجتمع يعاني تخلفا و حالة انهيار ما دام أفراده يشتغلون بالسياسة و ما يتبعها من ويلات و قهر نفسي و روحي بالنظر إلى أن المرء إذ يكون ضعيفا و مهزوزا فلن يتمكن البتة من رفع مستواه والارتقاء بنفسه
قال لي صديقي من حديث نبوي شريف : من بات لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ـ قال ذلك في محاولة منه زعزعة موقفي من السياسة و آثارها السلبية المدمرة على مجتمعنا العربي ـ فقلت له منذ نعومة أظفاري و أنا ألحظ الناس يشتغلون بالسياسة و الأحزاب و التحزبات فهل وجدت فردا أو حزبا واحدا استطاع أن يغير قيد شعرة من واقع أمر هذه الأمة ؟!!
إن الله بالغ أمره يا صديقي و إنك مهما تغيظت جراء ما يحدث حولك من شرور و مآس فلن يغير ذلك من الأمر في شيء، بل حسبك أن تكون قويا واعيا و مثقفا بحق حتى يزدهر المجتمع الذي أنت منه، و كم من غيور على هذه الأمة لكنه لا يسلك المسلك الجدد فإذا بغيرته تلك لا تنفع الأمة سوى أنها تمنحها دفعة إلى الوراء!
لو علمت يا صديقي كم تحتاج الكتابة و النشر إلى أذن واعية تبحث عن أسلم الطرق للوصول إلى حكمة و رشد و سداد رأي

ـ يحيى محمد سمونة.حلب ـ

الأحد، 9 أبريل 2017

39 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

39 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة


الفترة التي أمضيتها في خدمة العلم كانت عصيبة علي و شاقة، و كنت أعاني فيها كآبة و حزنا و توحدا، ذلك أنني كنت قد خرجت لتوي من حضن بيئة يحوطها النقاء و تكتنفها الإلفة و الوداعة و ولجت في بيئة تعج بتناقضات ليست مألوفة لدي و لم أكن أتخيلها أو أسمع بها! الأمر الذي أدى بي أن يخالف فكري سلوكي! ففيما مضى كنت أفكر حرا، و أرسم لنفسي وجهتي و سلوكي، و كنت على إلفة و ودادة مع بيئتي و وطني و أهلي الذين أنضوي تحت جناحهم، لكنني الآن أفكر بطريقة مغايرة! فبالأمس القريب كنت أقرأ أن رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا و ما فيها! و كان يتملكني آنذاك الشعور الغامر بعظمة الرباط على ثغر من ثغور الوطن للحيلولة دون انتهاك حرماته، لكنني الآن و الحالة التي أنا فيها أشعر أنني كنت أعيش أحلاما رومانسية وأنه ما من رباط و ما من مرابطة! بل هي سياسة و تسييس و مسايسة و سوس! و هذا ما جعلني أتقوقع علي ذاتي و أبتاع نفسي لنفسي عساي أبرأ لها من سلوك مهين مشين يغب و ينتقص من عزتي و كرامتي، و هذا يعني أنه يتوجب علي أن أتحين دائما الفرص السانحة لممارسة سلوكي ونهجي الذي يتفق و ما أفكر به و ما أعد له لمرحلة الوقوف عند السؤال.
[ قلت: طبعا فإن هذا الأمر يضعنا على عتبة سؤال هو غاية في الأهمية! و هو: إذا كانت البيئة التي نعيش وسطها تعج بتناقضات! فهل يؤثر ذلك على قراراتنا و ما نفكر به ؟! و هل التناقضات التي تترك بصمتها على سلوكنا ترفع عنا حرج السؤال ـ و بالذات حين يكون سلوكنا منحرفا أو قد غبيت علينا حقيقة الأمر فيه ـ ؟!]
كانت مسألة هتك القيم ـ التي هي في محل تقديس عند العديد من الناس ـ أمرا مألوفا بين يدي البيئة التي غدوت فيها! فهل يخرجني ذلك من جذوري و عهدي بالتربية التي نشأت عليها ؟!
ثمة مفارقات كثيرة و كبيرة تترك أثرا سلبيا في حياة الفرد من الناس ولا يعرف من خلالها كيف يسطر علاقاته لتكون صحيحة و سوية ولا غبار عليها و على الأخص عندما يجهل الفرد متى يكون حرا في سلوكه و بالتالي فهو مسؤول عن جميع حركاته و سكناته و متى يكون فاقدا للحرية ولا يكون مسؤولا عن سلوكه و أفعاله!
فكم من أمر لم أتمكن من البت فيه لكوني أجهل مقدار حريتي فيه و ما ينجم عنه من تبعات جراء تهاوني فيه وعدم القيام بمقتضياته و ما يلزم عنه من أوامر و نواه و ثواب و عقاب

ـ يحيى محمد سمونة. حلب

السبت، 1 أبريل 2017

38 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

38 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة


نعم، صحيح أننا كنا معشر نخبة الأصدقاء على درجة مقبولة من النضج و الوعي الثقافي! لكن الحالة الثقافية في العقود الأخيرة من القرن العشرين ـ زمن شبابنا ـ لم تكن تبشر بخير في وطننا العربي عموما و في وطننا الأم سورية على وجه الخصوص! فعلى صعيد العلم كانت تلوح في الأفق الثقافي فكرة ليست نظيفة و لا نقية! و كان يراد من ورائها تسييس أمة العرب و تطويعها لتكون طعمة سائغة لكل مفترس. كان ظاهر تلك الفكرة يخدع كل ذي بصر و بصيرة فيستسلم و ينقاد لها طواعية منه ثم لا يلبث أن يجد نفسه و قد خرج عن نمط صحيح و سوي في تسطير و تسوية علاقاته حتى يغدو و كأنه قشة بلا وزن و لا قرار.
و لكن قبل أن أدخل معكم في تفصيلات الحالة الثقافية التي عاصرناها و التي كانت سائدة في نهايات القرن العشرين و التي كانت تحمل بذور فتنة و ضياع لهذه الأمة، أود التنويه إلى أن تعريف العلم عندي ليس إدراك الأشياء على حقيقتها، بل هو إدراك حركة الأشياء على حقيقتها ـ أي يختص العلم بإدراك حركة الأشياء و ليس قوام و ماهية و خصائص الأشياء فهذه تختص بها الدراسات المعرفية فحسب ـ و هذا يعني طبعا أن العلم لا يخضع و لا يتبع مقاييس بشر و دراساتهم، فهذا نبي الله يوسف عليه السلام قال عن نفسه أنه حفيظ عليم ( قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) يوسف 55 .. فبالعلم حفظ نبي الله يوسف العباد و البلاد من هلكة و ضياع و ذلك حين علم كيف يوازن بين رخاء و شدة في تصريف الأمور ، و هذا ما يجب أن يكون عليه علماء اليوم ـ إن وجدوا ـ أي أن يعلم الواحد منهم ـ استنادا إلى ركن شديد ـ كيف يسير بالعباد و البلاد من حالة ضعف و خور إلى حالة قوة و عطاء حضارة و رقي و ازدهار .. فذاك هو العالم الذي يتجلى علمه في رسم سوي و صحيح لمسار أمة كي ينهض بها.
إن الحالة الثقافية العقيمة البالية التي ترنحت و سقطت على إثرها هذه الأمة ـ و هي الحالة التي كنت شاهدا عليها ـ هي الخلط بين العلم و المعرفة بحيث بدأ الآخر يوهمنا أنه سيد العلم و أننا سادة الجهل حتى دخل ذلك حقا في روعنا و بات الواحد منا يسخر من نفسه و من جهالاته و بات يظن أن الأمم جميعا أفضل منه حضارة و سلوكا !
و لعل أسوأ ما في الأمر أن جميع القائمين على أمر الثقافة باتوا يكرسون لهذه الحالة المريرة و يؤكدون عليها من خلال كل منتج ثقافي!

ـ يحيى محمد سمونة.حلب ـ

الأربعاء، 29 مارس 2017

37 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

37 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة
قال لي صديقي لماذا لا تدع تدخين السجائر؟ -كنا يومها طلاب ثانوي وكنت قد تعلقت مبكرا بهذا الوباء ـ

لست أذكر تماما كيف ومتى وقعت في مطب تدخين السجائر، غير أني أذكر تماما الدعايات التي كانت تنساب في أعماق النفس محببة إليك ذلك الداء. لقد كانت تلك الدعايات مدروسة بإحكام بحيث تفعل فعلها لتكون ذات مردود كبير! ولو رأيتنا معشر الشباب كم كنا نحب التمثل بذلك المغامر ـ بحسب ما تصوره لنا الدعاية ـ وما هو عليه من عنفوان الرجولة وقد جلس إلى نار متقدة تحت جنح ليل وإلى جانبه علبته المفضلة من السجائر. قلت لصديقي لقد ابتليت بها وليس لي بها من فكاك، لكنه حدثني يومها عن مضار السجائر وو..ثم ختم حديثه بالقول: لدي ورقة مطبوعة تبين لك بعض الخطوات العملية في كيفية الإقلاع عن التدخين سآتيك بها في غد بعون الله،وبالفعل جاءني بتلك الورقة في اليوم التالي ولقد رأيتني مترددا في أخذها لأنني أعلم جيدا أنها لن تفيدني في شيء مادامت قناعاتي بضرورة تركها لم تتغير! ذلك أن أساليب الدعاية كانت قد حفرت أخدودا في نفسي دون شعور مني لكن الذي كنت أظنه تماما أن اقلاعي عن التدخين يعني خمولا و تقاعسا عن النشاط العقلي والذهني ـ هكذا كنت أظن ـ

وبعد أن أخذتها على مضض لم يكن يدور في خلدي أن ما حوته تلك الورقة سيدفعني حقا إلى الإقلاع عن السيجارة وأتحرر منها إلى الأبد.

في واحدة من الطرق التي تم ذكرها في تلك الورقة ـ وهي الطريقةالتي أخذت بها وتركت بصمة في حياتي فيما بعد ـ هي أن أعاهد الله تعالى في نفسي بأن أتصدق ب ليرة واحدة عن كل سيجارة أدخنها، وللوهلة الأولى كنت أظن أن الأمر سهلا! لكنه تبين لي فيما بعد أنه غاية في الصعوبة! فالعهد مع الله جد خطير وليس كل الناس يستطيعونه ففيه تتجلى حقيقة الإيمان الصادق! ذلك أن العهد مع من يعلم السر وأخفى ـ جل و علا ـ فكيف للمرء أن يتنصل من تبعات عهده مع ربه؟!

لقد وجدتني أتردد كثيرا قبل أن أقدم على تلك الخطوة خشية أن أكون كاذبا في إيماني و خائنا للعهد،لكنني اتخذت قراري أخيرا وعاهدت ربي و ...تركتها!! إذ كيف لي التصدق ب ليرة عن كل سيجارة أدخنها في الوقت الذي كان فيه ثمن العلبة كاملة نصف ليرة، و أنا الطالب الذي يحار كيف يسدد قيمة تلك العلبة!
و تركتها فعلا و كان ثمة نكوث في العهد أحيانا و كانت الصدقة جراء ذلك

ـ يحيى محمد سمونة.حلب ـ

السبت، 25 مارس 2017

36 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة


  • 36 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
  • يكتبها: يحيى محمد سمونة
  • كان حوارا شيقا، ضمني و لفيف من الأصدقاء الذين كانوا على فكر و قاد و ثقافة جيدة و توجه حسن
  • كان ذلك في العام [1977] و كنا غالبا نحن معشر الأصدقاء ما نتطرق إلى موضوعات ذات صلة بتوجهات الأمة و أسباب تخلفها و تصنيفها ضمن دول العالم الثالث !
  • كان موضوع الحوار البحث عن السبب الرئيس لإعراض أبناء الأمة عن القراءة و متابعة الأعمال الثقافية الجادة سواء في الأدب و في العلم و الفكر بما في ذلك من مسارح و كتب مطبوعة و منتديات علمية وفكرية يفترض أن يشرف عليها نوابغ علم و عمالقة فكر !
  • و قد اختلفت رؤيتي في ذلك عن رؤى أصدقائي الذين قالوا أن السبب الرئيس في إقلاع الناس عن أي نشاط ثقافي جاد هو أنهم قد شغلوا بمتابعة الإعلام و ما يملكه هذا من قدرة حركية إنسيابية تجذب أنظار الناس و تخلب ألبابهم و تجعل الفرد منهم يتيه في معالم الصورة و الخبر و ما يحيط بهذين من هالة تحمل على التحليق في سماء العواطف الجياشة و الرغبات الجموح.
  • غير أنني كنت في حوارنا ذاك قد وصفت المشكلة بغير هذا، ذلك أنني كنت أرى أنه ما من عمل في ساحتنا الثقافية يستأهل المتابعة و التقدير و ذلك بحكم خلوه من جدية و واقعية تدفع المثقف الحق إلى متابعته و التفاعل معه و الإدلاء بدلوه فيه، فضلا عن التمثل بمحتواه!!
  • فعلى صعيد الأدب مثلا بدأنا نلمح توجهات غاية في التفاهة و السخف سواء من حيث الموضوعات و القيم التي تحملها ! أو من حيث الألفاظ و الكلمات و المفردات الضبابية الهلامية المبهمة التي يعجز القارئ عن فك طلاسمها مما يضطره أن ينصرف عنها غير نادم ولا متأسف عن فعلته تلك
  • و على هذا فقد كنت في توصيفي للمشكلة أضع اللوم على الكاتب الذي افتقد أبجديات الكتابة و أدواتها ولا أضعه على القارئ الذي يشده و يبهره عادة البيان و بلاغة الكلمة و سحرها، و كما قال النبي الأكرم صلوات الله و سلامه عليه و على آل بيته (إن من البيان لسحرا )
  • نعم قد كنت أرى إذ ذاك أن الكاتب سواء كان أكاديميا أو صحفيا أو شاعرا و أديبا أوكان مفكرا و منظرا فإن هؤلاء جميعا قد عجز بيانهم عن الافصاح عن مرادهم وكان تعبيرهم عن المراد قد خلا من تقنيات المحترف الذي تمكن باقتدار من أدواته وبات يحسن في تسديد رميته بحيث يصيب الهدف دون عناء ومشقة 
  • إن ساحتنا الثقافية إذ خلت من ذاك المحترف عندها أعرض الناس عن القراءة
  • ـ يحيى محمد سمونة.حلب ـ

الأربعاء، 22 مارس 2017

35 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

35 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة
مستفهما، قال لي صديقي: لماذا أطلقت على سيرتك الذاتية اسم "جذور ثقافية" ؟
قلت: قوام الثقافة: علم و فكر و معرفة، و حين بدأت أنهل من هذه الثلاث رأيتني أتردد كثيرا في قبول و تصديق ما أقرأ، فهذه كلها ـ أي العلم و الفكر و المعرفة ـ قد خالطتها و شابتها الظنون! و حشر قراصنة هيكل سليمان أنوفهم فيها و جعلوا يتلاعبون بمصير البشرية من خلالها!
و لقد رأيتني من خلال تحفظي على ما أقرأ كنت دائما أبحث عن البديل الصحيح أترجم به سلوكي و أفعالي و عموم ما أنطق به أمري
و بما أنني أكتب في سيرة ذاتية كان لابد لي أن أنقل إلى القارئ الكريم المفارقات التي توصلت إليها عبر قراءاتي ما بين مغالطات و حقائق سواء منها ما كان في العلم أو الفكر أو المعرفة
و على هذا فجذوري الثقافية تكشف ببيان جلي أوجه المفارقات ما بين ثقافة نتلقاها اليوم عبر وسائل الإعلام و وسائط التواصل الإجتماعي، و بين ثقافة حقيقية تقودنا بخطى ثابتة نحو رفعة و مجد و حضارة و رقي.
و لعل من تتبع الوريقات التي كتبتها في هذا المضمار ـ أي في سيرتي الذاتية ـ سيجد أنني كنت أرصد بعض السلوكيات الخاطئة في مجتمعاتنا و التي نجمت عن التأثير السلبي للإعلام في حياتنا، ثم أبين الوجه الصحيح في كيفية تسطيرنا لعلاقاتنا سواء على مستوى علاقاتنا مع ذواتنا، أو في علاقاتنا مع ربنا جل و علا ، أو علاقاتنا مع الناس كافة و مع البيئة و المحيط و عموم علاقاتنا الخارجية
فتلك إذن الغاية من هذه السيرة فلا أروم منها استعراضا كرنفاليا لحياتي بل هي دروس مستقاة من واقع عشته و تجارب مررت بها و أحببت أن أنقلها للغير لعل بذلك أكون قد أضفت ملاحظة جديدة على هامش الحياة و يكون فيها بعض نفع و فائدة و يذكرني الناس فيها بخير
لقد لاحظت أن الناس في هذه الوقت الذي تسارعت فيه و تنوعت أساليب النشر أنهم يجهلون و يجهلون و يجهلون معنى العلم و قوامه ! و أن غاية ما يبادرك به الناس من تعريف للعلم لا يعدو أن يكون منقولا عما قاله الفلاسفة من كلام مبهم و ما قاله أهل الأصول من تعريفات أكاديمية لا يفهمها سوى أصحاب الاختصاص في هذا المجال و يبقى الناس على عمومهم يجهلون المعنى الحقيقي للعلم الذي لو علموا به إذن لغدت حياتهم على قوة و عظمة وعطاء وارتقاء وكانوا سادة وقادة و روادا و انصرفوا بعدها عن نزاعات وتنازعات وضياع

ـ يحيى محمد سمونة.حلب ـ

الجمعة، 17 مارس 2017

34 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

34 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة
في مهجع ضم أكثر من خمسين جنديا كان أصعب شيء أواجهه إذ ذاك هو أن أبتسم مكرها لبعض النفوس المريضة التي تلوي لسانها في ممالأة منها لدولة القوة! لعله بذلك يضفي الواحد منهم ـ أي من أصحاب تلك النفوس ـ على نفسه نوعا من الفوقية أو بالأحرى الدونية !!
لقد كانت مسألة المواجهة مع أشخاص من هذا القبيل تعد سلوكا أرعنا و ذلك بحكم الحالة المرضية التي أصيب بها هؤلاء و جعلت منهم كطبل أجوف
فمن هؤلاء مساعد أول أبو محمود الذي أقسم ذات يوم متبجحا و على مسمع ممن في المهجع قائلا أن ابنته الشابة قد غادرت المنزل لمدة أسبوع كامل غير أنه لم يسألها أين كانت!
و ذات يوم و فيما كنا في مشروع تدريبي من مشاريع الجيش و كان أبو محمود هذا سائقا للمركبة التي كنت واحدا من عناصرها، و خلال مناوبتي داخل الآلية على الجهاز الذي كنت أعمل عليه..أقدم أبو محمود على أمر لم يكن ليخطر ببال الأبالسة!! لقد تبول في إبريق كنت أحمله معي خلال المشاريع كي أتوضأ و أغسل به وجهي!! ثم حين أخبرت الضابط بهذه الفعلة حيث ما من أحد سواي و سيء الذكر أبا محمود هذا في المكان الذي كنا فيه، سألني الضابط و ماذا فعلت بإبريقك؟ قلت قذفت به بعيدا لأنني لم أتمالك نفسي إذ انتبهت إلى الأمر .. قال ـ الضابط ـ هلا تركته دليل إدانة !
.. إن أمورا كهذه تجعل الإنسان المثقف المدني الحضاري بطبعه يحار كيف يتعامل و يسطر علاقاته مع نماذج بشرية كأنما الدناءة متأصلة و متجذرة في طبعها ولا أظن أن تعاملا بالحسنى يجدي نفعا مع أمثال هؤلاء!
نعم إنه بغض النظر سواء اتخذت السلطة بحق هذا الرجل إجراء ما أو لم تتخذ فإن أي إجراء يكون لن ينفع في شيء إلا أن تقوم السلطة وعلى مدى ردح من الزمن بترميم نفسيات أمثال هؤلاء!! و هيهات لسلطات اليوم أن تقوم بذلك وهيهات لأمثال هؤلاء المرضى أن يستقيم لهم أمر إلا أن يتغلغل الإيمان في قلوبهم و الأمر كله بيد الله
كنت أقول في نفسي إن قوانين الدنيا برمتها مهما أحكمت لاتنفع في إصلاح نفوس مريضة ما لم يكن ثمة إيمان رادع وأن يرافق ذلك الإيمان بضعة من فهم صحيح سديد سوي و سليم لنصوص شرع مطهر
إن الواحد منا إذ ينطلق في إنشاء سلوكه وأفعاله عن إيمان صادق فإنه يظهر بأبهى حلة له في الناس و يكون في محل احترام وتقدير منهم جميعا ! و إلا فإن قوانين الدنيا لاتنفع نفسا ممروضة
ـ يحيى محمد سمونة. حلب ـ

الاثنين، 13 مارس 2017

33 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

33 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة
و كان التحاقي بخدمة العلم في العام [1978] يعد نقطة تحول كبيرة الأثر في حياتي الثقافية، و ذلك أنني كنت في حياتي المدنية مجاورا لجامع الروضة حيث ثقافة الوعي المتوازن و النشاط و التألق و الاشعاع الفكري و الازدهار و العطاء، و كان قوام سلوكي يومها يعد مزيجا من خوف و رهبة و عبادة لله. لكنني ما إن غدوت جنديا في خدمة العلم و التحقت بدورة الأغرار حتى بدأت مسامعي تتقزز من كلمات تصدر عن حثالة من المدربين! الذين منهم من يريد أن يرينا الله شخصيا بعد يجعله في وعاء!! و الذين منهم من ينال من كرامة الفرد منا بطريقة تقشعر منها الأبدان !! و الذين منهم من يشتم و يقذف الإله بشتى النعوت و الأوصاف ـ كأنه بذلك أي المدرب يريد أن يثبت أنه القادر على أن يمرغ مقدساتك كلها من غير أن تستطيع أن تفتح فمك و لو بكلمة!! ـ[قلت: كانت مثل تلك الكلمات و الممارسات من حضرات المدربين كفيلة بتوليد حقد أسود حتى من أشد الناس وداعة و طيبة و كريم أخلاق ]
و لكن عداكم عن سوء أخلاق و فساد المدربين فثمة أمورا أعتى من ذلك بكثير كنت ألحظها و تترك أثرها السيء جدا على حالتي النفسية التي كانت بهية فيما مضى و هي بحسب ما يقال في العامية الحلبية: [ خيار و فقوس ] و كل ذلك وفق مبدأ التفاوض على كل شيء !!! [قلت: ألستم معي هنا أن هذا المطر من ذاك الغيم]
و إذن: فالأخلاق الكريمة التي درجت عليها في حياتي المدنية و كانت سببا لحالتي النفسية المستقرة و التي تولد عنها ثقافة راقية لدي، ها هي الآن و قد ذهبت أدراج الرياح و بت ذلكم الإنسان المعقد نفسيا و المتشائم و المهزوم من داخله !! و ذلك بسبب التناقضات التي بت أراها في كل شيء فمن شيخ كنت ألحظ الأنوار تشع في وجهه إلى ضابط يراهنك على جرة من الخمر و يخرج من رهانه منتصرا !!! و ما بين هذه و تلك تحار في أمرك كيف تسطر أفعالك في أجواء كهذه ؟! فهل تنصاع لسلوك هؤلاء الذين تعايشهم اليوم ؟! و عند ذاك تكون ذلكم المراهن على وطنيته و إنسانيته و قيمه الحسنة الفاضلة و تظهر بمظهر الذئب يلبس جلد ضآن! أم تنغلق و تتقوقع و تقف المواقف السلبية التي تسوقك نحو مذبحك ؟!
ألستم معي في أن هذا التناقضات تجعل أمة من الأمم في حالة ضعف و خور و ضياع و تخلف و انهزام؟! و أنه لا بد لخروج أمة كهذه من حالتها تلك من إزالة تلك التناقضات أولا.

ــ يحيى محمد سمونة.حلب ــ

الخميس، 9 مارس 2017

32 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

32 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة
في جلسة ودية طيبة مباركة ضمتني ولفيف من الأصدقاء الأفاضل [كان ذلك في العام [1978] وكنت أكاد الوحيد فيهم الذي لم يتمكن من دخول الجامعة، بل غدوت جنديا في خدمة العلم ] وكنا قد تطرقنا في جلستنا تلك إلى أساتذة الجامعات ودورهم الريادي في نشر الوعي الثقافي والارتقاء بالمستوى الحضاري للأمة! وبما أنني لم أدخل الجامعة فقد كنت أظن أن أساتذة الجامعات هم الشريحة أو الطليعة المثقفة التي من خلالها يتم الرسم لمستقبل أمة، وأنها الوحيدة المؤهلة للقيام بهذا الدور وأنهم ـ أي أساتذة الجامعات ـ بحكم كونهم الكادر الأكثر وعيا فإنهم بتعاونهم مع القيادة السياسية في البلد الواحد تجدهم يملكون القدرة على رسم صحيح لمستقبل أمة وتوجيهها الوجهة السوية،
لكنني إذ طرحت وجهة نظري هذه على الحضور تبسم الجميع بمرارة! وقد انبرى صديقي عبد الباسط للرد على وجهة نظري هذه [كان يومها لا يزال طالبا في الجامعةـ كلية الآداب] فقال: لقد ذهبت بعيدا بظنك هذا سيد يحيى! [بالمناسبة فإن لقاءاتنا العفوية هذه تعد مثالا يحتذى به لجيل شباب مثقف واع يعرف كيف يستثمر وقته بفوائد جمة]
وأتبع صديقنا يقول: إن أساتذتنا في مختلف الكليات ليس لهم في رسم مستقبل أمة! بل هم أداة تنفيذ لبرامج ومناهج مسبقة الصنع ! وإن شئت قل إن أساتذة الجامعات هم الأكثر إلتزاما من غيرهم بما يملى عليهم وبما يتوجب عليهم أن يملوه على طلابهم! إذ لا يستطيع الواحد منهم أن يقرر أمرا في مسألة ما إلا أن يعطى في ذلك ضوءا أخضرا سواء من حيث إلتزامه التام بالبرامج أو المناهج، حتى لو أراد الواحد منهم وضع مقرر ما فيتوجب عليه عندها ألايخرج عن الخط السياسي الذي تنتظم في سلكه البلد، فقلت يومها: لعل ذلك هو السر في استمرار ضعف أمتنا وتخلفها!
وهنا سألني أحد الحضور فقال: وما علاقة هذه بتلك؟! فقلت: يلزم أن يرسم أساتذة الجامعات للقيادة السياسية وليس العكس وبشرط أن يمتاز الجميع بنزاهة وعدالة وإخلاص لهذه الأمة، غير أن القيادات السياسية يهمها في المقام الأول مصالحها الحزبية أو الشخصية ولو كان ذلك على حساب المصلحة الوطنية وتوجهات الأمة!
و بشيء من مكر قال أحدهم: أضغاث أحلام! فقلت بجدية: بل هذا ما يجب أن يكون أو على الأقل أن تكون للقيادة السياسية هيئة استشارية من أساتذة الجامعات وأن يتمتع الجميع بنزاهة واستقامة
ـ يحيى محمد سمونة ـ

الاثنين، 6 مارس 2017

31 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

31 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة
في مرحلة الدراسة الثانوية، و من بعد درس التلاوة الذي حدثتكم عنه في جامع عمر بن عبد العزيز بحلب، بدأ يتغلغل في أعماق أعماقي حب القرآن الكريم، و بدأت أقبل عليه بشغف شديد و إجلال، فكانت جلسات الحفظ و التلاوة و التجويد و التفسير. و كنت لا أفقه من قواعد اللغة العربية شيئا فجاء من يقول لي إن إقبالك على كتاب الله تعالى يقوي و يضمن لك سلامة اللغة بقواعدها و نحوها و صرفها و معاني مفرداتها، فكان أن اجتمع لدي هذا القول بالاضافة إلى شغفي بكتاب الله تعالى فبدأت بذلك إنطلاقتي في محاولة مني لإستيعاب لغة العرب، و قد تشكلت لدي فكرة مفادها أنه لن يكون على صعيد الأدب العربي ـ بكل مافيه من أشعار و قصص و روايات و خواطر و مقالات ـ لن يكون ثمة إبداع أو تحليق في فضاءات الوعي و الإدراك و الثقافة عموما ما لم تكن البوابة إلى ذلك حصافة في فهم و استيعاب لمفردات لغة العرب و ذلك لما تضمنته من عبقرية فذة و لما احتوته من ألق تهيم به نفس سامعها.
و كم كانت فرحتي عارمة حين بدأت أتحرر من عقدة الخوف من قواعد اللغة العربية حيث تشكلت عندي تلك العقدة يوم كنت في الصف السابع [الأول إعدادي] و كان يومها مدرس المادة يفتقد إلى أبسط مؤهلات و مقومات التدريس ليس من حيث الشهادة بل من حيث المرونة و القدرة على تطويع المادة لتكون سهلة على الأفهام بما يجعل طلاب تلك المرحلة يقبلون على هذه المادة بأريحية و حب و شغف و تعلق بها.
و طبعا لم أكن الوحيد بين الطلاب الذي سئم هذه المادة و بات يمقتها، بل يكاد معظم الطلاب في هذه المرحلة قد تولد لديه النفور من هذه المادة! و سر ذلك ليس في المدرس فحسب بل في نمط وضع مناهج العربية! هذا النمط الذي يفتقد بإطلاق إلى مرونة و ليونة و حيوية و قدرة على تقديم اللغة بطرق متطورة و محببة إلى النفس و أدعى إلى القبول.
أما أنا فقدت جهدت كثيرا في محاولة مني أن أكسر و أتخطى حاجز الخوف من لغة العرب باعتبارها صعبة المنال
ـ و يقال في المثل: المرء عدو لما يجهل ـ
لكنني إذ تجاوزت حاجز الخوف هذا رأيتني و قد غدوت أهييم في ملكوت الكلمة و الحرف و المعنى و أصبحت أرثي لحال العرب أنهم لا يدركون عظمة و رقي وعنفوان وعطاءات هذه اللغة الخالدة
وها أنا ذا أقول: من لا يحسن الإبحار في لغة العرب فلن يكون مثقفا و لن يكون مبدعا أو أديبا فحلا
ـ يحيى محمد سمونة.حلب ـ

الجمعة، 3 مارس 2017

30 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

30 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة
كنت في الصف الثاني ثانوي حين قال لي صديقي عبد العزيز: ثمة درس تلاوة للقرآن الكريم في جامع عمر بن عبد العزيز يشرف عليه شيخ جليل حافظ و ذلك بعد صلاة المغرب فما رأيك بحضوره؟ قلت لا مانع.. و لكن... قال: دعك من و لكن .. ففي درس التلاوة متعة لم تذقها بعد ..
و بالفعل كنت عند صلاة المغرب حاضرا .. و ريثما تقام الصلاة كنت أجول بناظري أرجاء المسجد الذي شعرت فيه برغبة و رهبة و سكينة فهذه المرة الأولى التي أدخل فيها هذا الجامع. وفيما كانت تقام الصلاة كنت أتتبع بنظري الشيخ الإمام الذي لم أكن أعرفه قبل .. وقد بدت عليه مسحة وقار و هيبة، و شعرت أنني أرتجف دونما معرفة سبب ذلك!..
المهم أنه عند انتهائنا من فرض و سنة المغرب بدأ الذين سيحضرون حصة التلاوة بإحضار مصحف و طاولة صغيرة يوضع عليها و بدأ الجميع يشكلون حلقة حول الشيخ الذي تصدر الجلسة و كنت أنا أفعل كما يفعلون و اتخذت مكانا في حلقة الدرس، و مالبث الشيخ أن استفتح الجلسة بقراءة صفحة من المصحف الشريف و ذلك بعد أن نبه الحضور إلى رقم الصفحة الذي توقفت عنده حصة التلاوة السابقة و بعد أن أنهى الشيخ تلاوته أشار إلى الذي يليه أن يقرأ صفحة و هكذا إلى إن جاء دوري بالتلاوة، و كنت عندها مرتبكا وجلا ! فكل الذين سبقوني كانت مقدرتهم على التلاوة جيدة، و مالذي سيقول عني الحضور و فيهم الصغار الذين يجيدون القراءة و أنا الشاب لا أجيد و لا أحسن و لا أتقن القراءة!! و يبدو أن الشيخ قد رأف لحالي فكان يتجاوز عن كثير من أخطائي و هفواتي و من بينها أنني كنت أتخطى كلمات و كأنني لم أمر بها البتة!!
و حين انتهيت من قراءتي و شرع الذي بجانبي يقرأ غدوت عندها في عالم آخر انغلقت فيه على نفسي استرجع معها اللحظات العصيبة التي مررت بها لتوي!
و تنفست الصعداء حين انتهت حصة التلاوة، و جعل صديقي الذي دعاني لتلك الحصة يخفف عني بعد أن لاحظ ارتباكي و خجلي من نفسي، و كنت عندها مطأطئ الرأس ولا أنبس بكلمة .. و كانت تلك نقطة مهمة جدا في حياتي الثقافية و ذلك لأسباب عديدة، فمنها: أنني عزمت أن أتعلم القراءة و التلاوة و التجويد! .. ومنها: أنني وبعد عودتي إلى البيت شعرت براحة نفسية عجيبة جراء درس التلاوة ذاك و عزمت أيضا أن أواظب عليه
و منها: أنني وجدت في القرآن الكريم حلاوة في اللفظ لم أعهدها في أي كتاب آخر
يحيى محمد سمونة.حلب

الاثنين، 27 فبراير 2017

28 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

28 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة
كنت في منتصف السبعينيات [1975 و ما بعد] كأي فرد من الناس قد وقعت ضحية الإعلام الموجه و بت على موقف معاد للنظام بعد أن أشيع [وفق منهج مدروس] بأنه ـ أي النظام ـ يسوس الناس بقوة الحديد و النار، و لم أكن أفقه تماما معنى هذا الكلام، غير أن حديث الشارع بدا كذلك! و ما كان لفتى مثلي أن يعرف معنى السلوك المتوازن الذي مبعثه ثقافة واعية و فكر منطقي سوي و سديد، بل كنت أسمع حديث الشارع و أنفعل بانفعاله و أغضب بغضبه!
و تجدني آنذاك و قد وقعت بين مطرقة النظام و سندان الشارع الغاضب! الأمر الذي جعلني في حالة نفسية متدنية يرثى لها، فالنظام أسفر يومها عن وجه مقيت! و الشارع بحسب ما اهتدى إليه تفكيري يفتقد إلى أبسط مقومات الإدارة المدنية و هيكلها التنظيمي و القدرة على مواجهة معضلات و مشكلات مجتمع مدني! و هذا يعني أن غضب الشارع لن يسفر مستقبلا عن وجه حضاري! و لن يكون ثمة ازدهار في بلدي سوى أنها شحنة غضب سرعان ما سيصار إلى تفريغها بأي وجه و طريقة و أسلوب كان!! و من هنا كانت معاناتي النفسية التي جعلتني على خوف و كبت و انهزام و تأرجح! [قلت: لست الوحيد الذي وقع في ذلك الوقت في مطب تلك الحالة النفسية السيئة بل مجتمع آنذاك كله وقع في ذات الحالة! و بذلك يكون الإعلام قد أدى مهمته بنجاح تام و ها هو الشعب يفرغ طاقاته الحيوية كلها في بؤرة صراع لا طائل منه سوى أن المستفيد الوحيد جراء ذلك هو ربيبة القوة العظمى والأياد الخفية الملطخة التي تحرك السياسة العالمية لصالحها]
لقد كان ينتابني الشعور آنذاك أن أسلوب المواجهة المسلحة مع النظام لا طائل منه وأنه لا بد من إيجاد طرق أكثر نجاعة في تحقيق مطالب الشارع و صون كرامته مقابل خروج النظام من ورطة العنف الدموي الذي يسيئ إلى سمعته عالميا و يجعله في موقف لا يحسد عليه!
كنت أتساءل يومها: ترى هل ينفع الحوار و الحالة هذ ؟! و لكن من سيكون المرشح للحوار ؟! و ما ستكون مادة و موضوع الحوار ؟! و ما هي ضمانات نجاعة الحوار و نجاحه و تحقيق القرارات التي تتمخض عنه؟!
غير أن تفكيري هذا كله ذهب أدراج الرياح بعد أن استتب الأمر لصالح النظام
و تم احتواء الشارع! الذي خسر الكثير الكثير من مكتسباته، عداك عن أنه لم يحقق أدنى شيء من مطالبه! بل ظهر أضعف مما كان ! و سر ذلك أنه لم يختر الطريق المناسب للتصحيح
يحيى محمد سمونة.حلب

الأربعاء، 22 فبراير 2017

27 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

27 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة
كانت قد انتشرت في بداية العقد الخامس من القرن المنصرم [1950و ما بعد] فكرة الحاكم الجائر و الشعوب المظلومة المقهورة!
و طبعا فإن هذا الفكرة لم تتولد من تلقائها بل كان هناك من يزكيها و يعمل على تأجيجها، حتى إذا انتصف العقد السابع [1975] كانت هذه الفكرة قد استوت في أرجاء الوطن العربي كافة ! و بالذات في الدول المتاخمة لأرض فلسطين [طبعا كانت الغاية من نشر تلك الفكرة أن تصطدم الشعوب مع الحكام و تخرج [إسرائيل] جراء ذلك سالمة غانمة ]
و كان الظن بأن الشعوب المكبوتة ستنفجر يوما و تطيح بحكامها ! كان ذلك الظن قد أخذ مداه في ذلكم التاريخ و بدا الاحتقان في الشارع العربي واضحا و تسارعت وتيرة الزخم الإعلامي في تأزيم العلاقة بين حاكم و محكوم في أرجاء العالم العربي بحيث بدأ الخطاب الإعلامي الموجه للجماهير يثير حفيظتها و يدفعها عنوة إلى التمرد و الثورة، و بمقابل ذلك بدت الأجهزة الأمنية في سبيل الحفاظ على الحاكم على استعداد لفعل كل شيء حفاظا على سلامته! فيما كان الإعلام لا يزال يصوغ العبارات التي تساعد على استمرار التوتر، مثل [ديكتاتورية! ـ نهب ثروات الشعوب! ـ اقتطاع أجزاء من الوطن وقبض ثمنها! و غير ذلك من العبارات التي تزيد الوضع تأزيما كقولهم دراسة تشير إلى أن الحاكم الفلاني حسابه في بنوك سويسرا كيت و كيت! و هكذا يصبح المواطن ينتابه الشعور بأن الحاكم يسرق قوت يومه! و أن عليه أن يثور و ينتفض و يطالب بالقصاص !!
ذاك هو وضع الشارع العربي إذن في الفترة التي تلت حرب تشرين [أكتوبر]
و كانت سورية قد نالت النصيب الأوفر من تلك القلاقل لا لشيء سوى أن شعبها هو الأكثر حيوية و نشاطا و قدرة على تخطي الصعاب و بالتالي فهو أكثر قدرة على القيام بدور ريادي في المنطقة و يكون مصدر رعب لربيبة القوة العظمى !
و على إثر ذلك كانت الأحداث في سورية من بعد ذلك التاريخ[1975]
من هنا يتبين لكم لماذا كنت أصر على قذارة الدور الإعلامي الذي لم يفتأ يتلاعب بمشاعر أبناء الوطن و يعزف على وتر الطائفية و يزيد في تأزيم العلاقة بين حاكم و محكوم!! و بمقابل ذلك و بكل بساطة و سذاجة في التفكير بين جميع الأطراف وقع المحظور و سالت الدماء البريئة الزكية بعد أن رضخ الجميع لسطوة الإعلام وهيمنته! وكان الشرخ الذي لاتزال آثاره باقية حتى الآن
ياللأسف [2017]
ـ يحيى محمد سمونة.حلب ـ

الأحد، 19 فبراير 2017

26 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

26 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة
في العام [1975] انتقلت والأهل من مسكننا في حي سليمان الحلبي إلى مسكن جديد في حي السبيل وكانت تلك نقطة تحول كبيرة في حياتي الثقافية إذ المسكن الجديد كان قريبا من جامع الروضة الذي يعد في ذلكم التاريخ معلما ثقافيا بارزا بشيخه العلامة الشيخ طاهر خير الله ـ يرحمه الله ـ الذي كان بحق قامة علمية وكانت له مكانته العظمى في قلبي وعند أهل الحي، وكنت أواظب على حلقات درسه أنا وكوكبه من الشباب المتحمس للدين ضمن حدود الالتزام الواعي الذي خلا من غلو أو تشدد
إننا إذا استثنينا في ذلكم التاريخ إذاعة [مونت كارلو] و [ لندن] فإن تأثير الإعلام إذ ذاك كان في مجتمعاتنا عموما ضعيفا ومحدودا ـ ومع ذلك فقد كان لتلك الإذاعات دورها المشؤم في توجيه الرأي العام في المجتمع العربي الوجهة الطائفية البغيضة ـ ولذا فإن جيل الشباب في ذلك الوقت كان لايعرف التطرف أوالغلو ـ إنما تولد هذان بفعل انتشار الفضائيات التي لاتفتر تؤجج نار الحقد بين جميع الملل والنحل بدعوى نقل الخبر وحسب! ـ علما أن نقل الخبر في حد ذاته يعد نوعا من أنواع إثارة الفتن وبعث الشحناء بين الناس وعلى الأخص حين تكون عملية صياغة الخبر بطريقة النفخ في الكير! ـ
نعم لقد كانت تلك الكوكبة من الشباب الذي يتردد على جامع الروضة في ذلك الوقت آية في الأدب الأخلاق الكريمة الفاضلة،ناهيك عن سلامة طويتهم و بعدهم عن السوء و الفساد و التطرف.
لقد بدأ ينتابني الشعور منذ التقيت أولئك الشباب أنهم جميعا أفضل مني ثقافة وعلما وكريم أخلاق ! وكان علي أن أبادر إلى اللحاق بهم وأن أجاريهم بما هم عليه من سمو وتفوق في الدراسة إذ كان أغلبهم على تفوق في الدراسة، عداك عن بداهتهم و نباهتهم و كياستهم و أدبهم! فيما كنت أنا الكسول الخمول الخجول الذي يخشى ظله و يتعثر به!
لكنني سرعان ما بدأت أجاريهم و أسبقهم في بعض الأحيان، إذ رأيتني أكب على القراءة ذات التخصص و الثقافة الجادة بعيدا عن الثقافة ذات المحتوى المبتذل السخيف الذي يسوق الناس نحو ترف و بلادة و ترهل وبلاهة!
لكن الوضع الاجتماعي و السياسي آنذاك في عموم الوطن العربي كان يسير من سوء إلى ما هو أسوأ بفعل البرامج الإذاعية و الإخبارية التي تعمد بأساليب مختلفة إلى تأزيم العلاقة بين السلطات الحاكمة و الناس الذين بزغت فيهم بفعل فاعل فكرة الحاكم الجائر
ـ يحيى محمد سمونة.حلب ـ

الخميس، 16 فبراير 2017

25 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية" يكتبها: يحيى محمد سمونة

25 - جذور ثقافية "سيرة ذاتية"
يكتبها: يحيى محمد سمونة
في مرحلة دراستي الثانوية [1973 -1976] كان عبد العزيز ـ صديق الدراسة ـ قد بدأ يتقرب إلي أكثر و أكثر بعد أن لاحظ في سلوكي ما يشير إلى شيء من تدين و توجه فطري خلا من رياء و تنطع. و كان صديقي هذا يؤكد لي على أهمية الصلوات الخمس و يحثني عليها، و لم يكن يدور في خلدي أن عبد العزيز لديه ارتباطات بجماعة دينية، و كنت ألمح في سلوكه شيئا من توازن و اعتدال من غير تطرف أو مغالاة، لكنه إذ صرح لي بانتماءاته و طلب مني أن أنضم إلى جماعته التي بحسب قوله تعمل على نشر الدين بصورة مشرقة خلت من غلو أو تشدد وجدتني أتردد في قبول عرضه ذاك بحكم أنني لا أجرؤ على اتخاذ قرار قبل أن أقلب وجهات النظر فيه كثيرا و طويلا! [ لكنني مع ذلك كنت محدود المدارك، و أتأثر كثيرا بما يقال باعتبار الصدق الذي يلازم أقوالي و سلوكي كله و أظن أن الناس كلهم كذلك!]
و لا أكتمكم أنني تسرعت في اتخاذ قراري و غدوت واحدا من أفراد تلك المجموعة الدينية، و لم أكن يومها على درجة من الوعي تخولني أن أدرك أن صديقي عبد العزيز و غيره و سواه و من هو أعلى رتبة منه كلهم صادقون في توجهاتهم لكن أياد غير منظورة تعمل في خفاء تبحر بهم حيث شاءت! و ذلك بعد هيمنتها ـ بأسلوب ذكي و خفي ـ على البرامج التثقيفية في أرجاء الأرض قاطبة!
كان قد مضى على انضمامي إلى تلك المجموعة الدينية أربعة أعوام من قبل أن أغادرها بسبب انقطاع اتصالي بها لظروف حتمية [لعلها تصاريف القدر شاءت ذلك]
فيما يخص أحوالي التثقيفية كانت تلك فترة زاهرة في حياتي حيث أقبلت بشغف شديد على اقتناء الكتب و بدأت تتشكل عندي نواة مكتبة غدت عامرة فيما بعد و قد تنوعت فيها اهتماماتي! فمن كتب الدين إلى التاريخ إلى الفلسفة و التربية و علم النفس إلى علوم التقانة و التكنولوجيا، هذه بالاضافة إلى كتب الأدب و الفكر و ما يلوذ بهما.
و في تلك الفترة بدأ يتشكل و يتبلور عندي نمط التفكير الأكاديمي الذي خلت منه العواطف و المثاليات و التهويمات التي ترافق عادة نمط التفكير الشعبي لدى عوام الناس! حتى رأيتني إذ ذاك أجابه العديد من أنصاف المثقفين في طريقة قراءتهم للأحداث عموما! تلك القراءة التي لا تخلو من تشنجات و لا تكاد تسبر أغوار الحدث بحثا عن حقيقة مسبباته، و كنت أفند الكثير من الآراء المبنية وفق نمط التفكير الشعبي [العامي]
ـ يحيى محمد سمونة.حلب ـ

مشاركة مميزة

لمحات من أحد طواغيت التاريخ (ستالين) (الإله.. الذي أنكروه) - عزت عبد العزيز حجازي - من كتاب جبروت الطاغية وطغيان الحاشية)

¨   بعد أن أطلقوا عليه في حياته أسماء كثيرة، كادت أن ترفعه إلى مقام الآلهة أو الأنبياء.. فقد قالوا عنه أنه:(أحب شعبه؛ وأنه "ال...

المشاركات الشائعة أخر 7 أيام