‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات نقديه في روايات عربيه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءات نقديه في روايات عربيه. إظهار كافة الرسائل

السبت، 13 يناير 2018

روايات إحسان عبد القدوس.. ذاكرة السينما العربية

تحت عنوان “إحسان عبد القدوس .. بين الرواية والسينما” يتحدّث الأكاديمي حسام عقل والناقد أحمد مجاهد، عند الخامسة من مساء الأربعاء، الثالث من يناير الجاري في “مكتبة المستقبل” في القاهرة، بمناسبة ذكرى ولادة الروائي المصري التي تصادف (1-1-1919)، ورحيله في الشهر نفسه عام 1990.
يعتبر عبد القدوس ثاني أكثر كاتب أُخذ من أعماله الروائية للسينما المصرية، بعد نجيب محفوظ، حيث بلغ عدد الأفلام التي اقتبست عن رواياته وقصصه 42 فيلماً، معظمها من روايات، باستثناء “البنات والصيف” و”ثلاثة لصوص” و”ثلاث نساء”، و”إمبراطورية ميم”، فهي أفلام أخذت عن قصص قصيرة له.
تتطرّق الندوة إلى علاقة عبد القدوس بالنصوص الروائية التي تحوّلت إلى أفلام سينما، حيث أن الروائي نفسه كان يشارك بشكل مباشر في صياغة سيناريو هذه الأعمال، فقد كتب مثلاً كامل الحوار في فيلم “لا تطفئ الشمس” من إخراج صلاح أبو سيف، وفعل الأمر نفسه مع “إمبراطورية ميم” (1972) من إخراج حسين كمال وبطولة فاتن حمامة، وهو مأخوذ عن قصة قصيرة كتبها في مجموعة “بنت السلطان”، كمال أخرج أيضاً فيلماً آخر مقتبساً عن عمل لعبد القدوس، وهو “بعيداً عن الأرض”، الذي كتب حواره الروائي بالتعاون مع رفيق الصبان.
وحسين كمال أحد أكثر المخرجين الذي تعاونوا مع عبد القدوس، واشتهر من الأعمال التي اشترك فيها الإثنان، “أبي فوق الشجرة” (1969) الذي كان بطله عبد الحليم حافظ، وكتب الحوار صاحب “في بيتنا رجل” متعاوناً مع سعد الدين وهبة ويوسف فرنسيس، و”أيام في الحلال” (1985).
ومن خلال ستة أفلام، تعاون المخرج صلاح أبو سيف مع عبد القدوس، وهي “سقطت في بحر العسل” (1960)، و”الوسادة الخالية” (1957)، وكثيراً ما صرح عبد القدوس أن أبو سيف هو أكثر مخرج اقترب من أفكاره وجوهرها.
في “ثلاث نساء” أخذت ثلاث قصص من أعمال عبد القدوس وأخرج كل واحد منها مخرج مختلف، وهم أبو سيف، ومحمود ذو الفقار وهنري بركات، ومثلت فيه صباح وهدى سلطان وميرفت أمين.
من أكثر الأفلام شهرة التي قدمتها السينما المصرية ومقتبسة عن أعمال عبد القدوس وشارك في تحويلها إلى السينما، “الرصاصة لا تزال في جيبي” (1974)، و”يا عزيزي كلنا لصوص” (1989) و”الراقصة والسياسي” (1990)، و”حتى لا يطير الدخان” (1984).
من المخرجين الذين استندوا على أدب عبد القدوس في عديد من الأعمال التي دخلت ذاكرة السينما العربية، حسام الدين مصطفى وهنري بركات.
ومن مفارقات الرقابة وعلاقتها بأعمال عبد القدوس، تغيير نهاياتها لكي تعاقب المرأة المتمردة دائماً بطريقة ما، على العكس من النص الأصلي الذي غالباً ما كان فيه الروائي يقدم حرية المرأة بشكل صادم للمجتمع، فمثلاً في فيلم “البنات والصيف” قامت الرقابة بتغيير نهاية الفيلم، بحيث تنتحر البطلة مريم فخر الدين لأنها خانت زوجها وهذه ليست نهاية القصة، وفي “لا أنام” فعلت الرقابة الأمر نفسه، وأصبحت النهاية حرق بطلة الفيلم فاتن حمامة لأنها كانت شريرة، وكذلك تم تعديل نهاية “الطريق المسدود”، ومُنع عرض “يا عزيزي كلنا لصوص” لسنتين، ومنع فيلم “حتى لا يطير الدخان” أيضاً.
المصدر: صحيفة العربي الجديد


«حيث يسكن الجنرال».. جديد الروائي زياد أحمد محافظة

يدخل الروائي زياد أحمد محافظة في روايته الجديدة «حيث يسكن الجنرال» الصادرة حديثا عن دار فضاءات إلى عوالم جديدة في سردية الرواية الجديدة.
يطرح محافظة في الرواية الكثير من الأسئلة الجمالية التي يفخخ بها النص، من خلال بنية فسيفسائية عالية المشهدية تصاحب القارئ بسلاسة ومتعة إلى ذروة النص قبل ان يصطدم مع قفلة الرواية.
يشتغل محافظة في روايته، على واحدة من أكثر البؤر السردية سخونة في الشرق، ويسعى عبر نص به قدر كبير من البحث والمساءلة والتأمل، لخلق عالم روائي يوازي الواقع ويحاوره، ويمثله ويستجيب لتدفقه وضروراته، فيقتفي في عمله هذا أثر جنرال من جنرالات الشرق، يقرر الفرار من وطنه قبيل ساعات من اندلاع الثورة فيه، فيهرب خفية بعد ما أعدّ خطة محكمة، غيّر على إثرها اسمه وهويته، راضياً في سبيل الحفاظ على حياته ومكتسباته، أن يرمي ذاك الجنرال وراء ظهره، بعد أن عمل سنوات طويلة على بناء مجده وسلطته، ليصبح شخصاً آخر يعيش حياة جديدة، بعيداً عن مآسي الشرق وحرائقه المشتعلة، وعن كل أولئك الذين طالتهم يوماً ما قسوة الجنرال وبشاعته.
يستقر بطل الرواية هو وزوجته في إحدى البلدات الكندية الوادعة، ويبني لنفسه هناك حياة هادئة، ويبدأ باعتياد الأشياء والتعرف على الشخص الجديد الذي أصبحه، لكن في الوقت الذي ظن فيه أنه قد نجا بنفسه وتمكن من خنق الجنرال وحشره بداخله، وبات بمنأى عن كمائن الحياة ومنغصاتها، يتعرض لحادث سير فتنقلب حياته مرة أخرى، ليستيقظ على إثر الحادث وقد استفاقت الشخصيات بداخله، ليجد نفسه ممزقاً بين روح مهدمة وجسد مهزوم، ومصائر غامضة تدفعه في اتجاهات شتى، ويتصاعد الحدث السردي مسحوباً بأحداث وتفاصيل دقيقة، ليُسمع في النص دويّ انعطافة جديدة، إذ تنكشف أمام الجنرال عوالم خفية لم يعهدها من قبل، ليصبح من حيث لا يدري، مقصداً للكثير من الأرواح الهائمة المعذبة، التي راحت تفد إليه من جهة الشرق؛ تلك الأرواح التي كان يوماً ما سبباً في عذابها وتحطيمها وقهرها. وعبر ليال موحشة وباردة، يقضي الجنرال حياته خائفاً ووحيداً، وهو يترقب ويحاور تلك الأرواح الحزينة المحطمة التي تتربص به، فتأتي مسكنه كل ليلة وفي جعبتها الكثير من الأسئلة المربكة، لتحاوره وتذكره بما اقترفت يداه وتقتص منه، وربما لتبحث لنفسها من خلال تلك الحوارات عن الخلاص المنشود.
المصدر: صحيفة الرأي الأردنية


المكان العمَّاني في رواية «الأرملة السوداء» لصبحي فحماوي

من يقرأ رواية “الأرملة السوداء”، يتّيقن بأن الروائي صبحي فحماوي، قام بجهد تشخيصي لواقع الحياة المعاصرة بكل تجلياتها في مدينة عمان، ففي أكثر من موقف، نلمح الرؤية الاستشرافية التي تُحدد مكامن الضعف، وتبحث عن الحلول المناسبة، وقد جاء السرد الروائي هنا ممنهجاً بمجموعة أفكار سردية هادفة، اعتمدت في مجملها على دقة الوصف وطابع السخرية.
صدرت رواية “الأرملة السوداء” في مطلع العام 2011، وفي ذلك الحين احتفل أصدقاء صبحي فحماوي في مدينة القاهرة بإشهار هذه الرواية، يومها، قال الناقد الدكتور مدحت الجيار: “جاءت هذه الرواية مُعززة باختيارات سردية، وُظفت في المكان المناسب لتعطي نتاجا ًيُقدّم صورة مؤثرة، وهي تبحث في تجليات العلاقات الإنسانية والفكرية والتبادلية بين الرجل والمرأة، وقد استندت على ذائقة حكائية، وأبرزت دور السلطة الناعمة للمرأة من خلال حكي متواصل، يُمتع القارئ ويجعله يُتابع القراءة دون توقف ومن دون ملل”.
تميّزت رواية “الأرملة السوداء” بأسلوب السرد الساخر، واستلهام روح ألف ليلة وليلة للبناء عليها، وجسدت طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة (شهريار وشهرزاد) وبمنهجية تُشخص الحال، وتخلو من مبدأ الانحياز لأي طرف على حساب الطرف الآخر، مع التركيز على إثارة جوانب “الوعي الإنساني”، الذي يُعزز أهمية العلاقة التكاملية بين الطرفين.
وفي وصفه لجانب من معاناة أبناء الشعب الفلسطيني، الذين تشردوا وهُجروا من أراضيهم، يقول صبحي فحماوي: الرياح العاتية تصفُق صفيح بيوت جبل النظيف، فيتناثر فتاته حول حجارة المقبرة، وكانت شواهدها تنبت في البيوت الصفيحية التي رماها حظها العاثر بين القبور، بعد أن عصفت بها رياح النكبة الفلسطينية، فتناثرت قطعاً مُفتّتة في كل أرجاء الكرة الأرضية.
ومن بين القبور يشاهِد الأطفال المتصائحون قمة جبل آخر، يقف متعالياً في المجرة الفضائية، التي درسوها في المدرسة، فقالوا إنه كوكب المريخ، واختلفوا فيما بينهم، وأخيراً صمتوا في مواجهة رجل كبير يمر في الزحام، وهو يقول لهم: لا مانع أن نسميه جبل المريخ، ومن يومها سُمي بهذا الاسم، فركب جبل المريخ فوق جبل النظيف، وبقي جبل الإشرفية المغرور بأناقته راكباً فوق الجميع!
المصدر: موقع ميدل إيست أونلاين


الأربعاء، 10 يناير 2018

خليل خميس يلجأ إلى توظيف التاريخ في أعماله الروائية

في روايته الصادرة حديثا بعنوان “لمعلم” يلجأ خليل خميس من خلال نمط الرواية السيرية إلى سبر أغوار فترة تاريخية مهمة في تاريخ بلدته والمنطقة العربية ككل، تمتد ما بين أربعينات القرن الماضي حتى السبعينات.
وتعد الرواية هي السادسة للكاتب في فن الرواية بالإضافة إلى تجربة وحيدة في القصص القصيرة ليكون ما كتبه إلى الآن سبعة كتب.
تعد هذه الرواية التجربة الثانية للروائي العماني في الرواية السيرية بعد رواية سابقة بعنوان “لن أحمل البندقية”، وعنها يقول جاءت رواية “لمعلم” لأجل توثيق مرحلة معينة من التاريخ العماني عايشتها هذه الشخصية بكل تفاصيلها وبالتحديد في القرن العشرين، أي ما بين 1945 و1970، وهي مرحلة خصبة ومهمة في التاريخ الحديث لمنطقة شبه الجزيرة عامة والسلطنة بصفة خاصة، كما أنّ بعض أحداثها التراجيدية قد تتشابه مع الأحداث الحاصلة في الأقطار العربية، لأجل ذلك أردت قراءة هذه المرحلة قراءة تحليلية من خلال هذه الشخصية التي ساهمت أسرتها العريقة في وضع بصماتها السياسية والعلمية والثقافية في التاريخ العماني فخرجت الرواية لتحكي الجوانب الإنسانية والسياسية والاجتماعية والثقافية بلسان حال “لمعلم” وهي الشخصية التي ارتكزت عليها بنية الرواية.
“لمعلم” الذي اختاره الكاتب عنوانا لروايته، جاء من اللهجة العمانية الدّارجة حيث يُطلق على المُصلح الاجتماعي ومعلم الأطفال والمؤدب في الكتاتيب اسم “لمعلم” بإسقاط الألف، وقد اشتهرت شخصية الرواية بهذا اللقب فأصبح الجميع لا يعرفها إلا به، ومن ثم جاء اختياره لأن تحمل الرواية نفس المسمّى.
يعمد خميس في أعماله الروائية إلى مساءلة الواقع والتاريخ في بلده عمان وسبر أغوار فترات مهمة في التاريخ العماني.
يوضح الكاتب أنه بجانب تركيزه على الجانب القطْري أو المحلي في رواياته، ثمة فسيفساء من التنوّع في تناول الكثير من القضايا خارج عُمان كرواية “انتظار” التي تتناول المأساة السورية المخضّبة بالدماء والغربة، وأيضا مجموعته القصصية “عاشق القمر” التي ضمّت بين جنباتها مجموعة من الأقصوصات عن القضية الفلسطينية.
ويلفت الكاتب إلى أن توظيف التاريخ في أعماله الروائية يمثل هامشا من المناورة وتمرير الكثير من النقد والفكر اللذين من الصعب التعبير عنهما تصريحا، لكن التاريخ أيضا يستهويه كثيرا ويرى أننا نمتلك مخزونا ضخما في المنطقة العربية من التاريخ يمكننا أن نستخرج منه دررا من الإبداعات الروائية القيمة، خاصة إذا تم ربطه بالواقع، وهذا ما حاول جاهدا تجسيده في بعض رواياته التي ترشف من عبق التاريخ كرواية “بيعة الروح” و”لن أحمل البندقية” وإحدى ثلاثيات “ثلاثية الصمت” وأخيرا رواية “لمعلم”.
المصدر: صحيفة العرب اللندنية


الثلاثاء، 9 يناير 2018

رواية «الحواس الخمس» لجلال برجس.. استشراف المستقبل

هناك كتب ما إن تنتهي من قراءتها حتى تجد نفسك قد لُذْتَ بنوع غريب من الصمت، وغبتَ عن واقعك إلى عالم فسيح تؤثثه العاطفة، والأفكار، وجموح الخيالات بمستوياتها الغرائبية، والسيكولوجية، وآثارها المدهشة. ورحت تتساءل، وأنت ما تزال تحت تأثير عالم ذلك الكتاب، عن موقفك مما قرأت؛ هل أنت معه فتتبناه، أم رافض له فتقف على الجهة المعاكسة لمراميه، أم لا تستطيع تحديد رؤيتك، وموقفك.
هذا ما حدث لي مع رواية «سيدات الحواس الخمس» للكاتب جلال برجس، الذي نال جائزة كتارا للرواية العربية (2015)، عن روايته «أفاعي النار/ حكاية العاشق علي بن محمود القصّاد»، وعدداً من الجوائز في الرواية والقصة.
منذ الصفحة الأولى تأخذك الرواية الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، (بيروت، 2017)، بأسئلتها المهمة إلى عالم غرائبي، بني على فكرة مختلفة عما عهدناه في كثير من الروايات العربية؛ إذ برع برجس في ابتكار وتشييد بناء متميز لروايته، بمستويات فنية شاهقة وغير نمطية. هذا البناء الذي توافق حتى مع بناء قصر بطل الرواية «سراج عز الدين»، ومع «غاليري الحواس الخمس»، التحفة المعمارية الملفتة للنظر، والمدهشة إلى أبعد الحدود.
يقتحم برجس وبحس بوليسيّ إبداعيّ مشوّق، ووعي سيكولوجي، مكامنَ أخطر القضايا المجتمعية والسياسية التي تحدث في البلاد العربية، وبكل جرأة يطرح أسئلة تخص التحولات المختلفة التي أصابت المدن العربية سواء على مستوى شكلها الخارجي، أو على مستوى البشر أنفسهم، متخذاً من مدينة عمّان رمزاً للمدن العربية في المرحلة الزمنية التي تعاينها الرواية. وهذا في حد ذاته يمثل براعةً فنية وتمكناً. وهذا ما يجده القارئ في هذه الرواية التي جمع الكاتب فيها بين المتعة الفنية والفائدة الفكرية واللغوية.
جمع برجس ببراعة بين سحر اللغة ورشاقتها وعذوبتها وبين جموح الخيال وعنفوانه وغرائبيته، وبين الرؤية الجادة والواقعية الواعية لقضايا المجتمع وتحولاته، لنتلقف الرواية كوحدة إبداعية كاملة تعاين التحولات من أكثر من جهة.
ومن هذا المنطلق لا يمكن للقارئ أن يلجأ لفكرة بعينها ويقول إنها محور العمل، لأن الانتقاء هنا غالباً ما سيظلم فكرة ما، أو موضوعاً على حساب آخر، فالرواية مركبة، قضاياها كثيرة، ومتداخلة. ولكنها اتخذت منطلقاً تجلى في بناء العنوان «سيدات الحواس الخمس» الذي لا يعدّ هنا علامة إشهارية فحسب؛ إنما يمثل بؤرة أساسية ينطلق منها القارئ لتفسير دلالات النص، ويعود إليها كلما تقدّم في القراءة؛ إذ يدلف القارئ إلى دواخل النص محملاً بتوقعات عن النص نفسه، قد تصيب هذه التوقعات، وقد يتمكن الكاتب من كسر أفق توقعه. ولا شك أن هذا النص السردي من النصوص التي تكسر أفق توقع القارئ لآخر سطر من سطور الرواية، بل وتربكه.
يحمل العنوان موضوعين رئيسين؛ الأول هو «سيدات» والثاني هو «الحواس الخمس»، وهذان الموضوعان يمثلان نقطة ارتكاز للرواية؛ إذ تمثل المرأة عنده موضوعاً رئيساً، رمزاً للوطن بالحب الذي تحمله، وباحتمالات الخيانة، بكل مجازاتها، التي قد تصدر منها، وبالاخضرار حينما تعبّر عنه، وبالجدب الذي قد تتحول إليه؛ يقول السارد: «حواء وطن، والوطن قلب حواء الدافئ، فلا تسرقوا شموسه». فالمرأة وكيفية عيشها هي دلائل على حالة المدن وعلى حريتها. كما تشير الرواية إلى أن «النساء دلائل المدن على النمو، وعلى اخضرار روحها».
أما «الحواس الخمس» فهو موضوع قلّ التعامل معه روائياً، وهو يفتح أمامنا تساؤلات مختلفة حول أهمية الحواس فلسفياً وبيولوجياً، وحول كيفية تعاملنا معها. هل نعطيها حقها وننصت لها، لأنها قد تكون وسيلة اكتشافنا للحياة، وقد توصلنا هذه الحواس الخمس إلى الحاسة السادسة (الحدس)، أم نهملها ولا ننصت لها؟ وهل حواسنا خادعة وتوصلنا للحقائق، أم مضللة؟
هي تساؤلات مختلفة يدفعنا الكاتب إليها،كما يدفعنا أيضاً إلى الإنصات للمعطيات المختلفة للحياة والتي نتلمسها بواسطة الحواس؛ إذ تأتي الرواية لتنبه إلى أخطر مرحلة يمر بها الإنسان العربي هذه الأيام، وتحث القارئ على أهمية استثمار الحواس لفهم الواقع لاكتساب القدرة على استشراف المستقبل، الذي عليه أن يأتي بعيداً عما يمنى به عالمنا الآن من خراب.
ولكي لا نسير في جهة بعيدة عن مقصدية الكاتب نجده يقدم لنا العديد من الإشارات داخل النص السردي نفسه، يبدؤها بعتبة نصية عنونها بـ»ضوء»، وهي عبارة عن مقولة لأفلاطون يقول فيها: «العالم الذي نلمسه ونختبره من خلال الحواس هو عالم غير حقيقي، بل هو مستنسخ عن العالم الحقيقي». وفي مقطع سردي يشرح نظرية أفلاطون المسمّاة «عالم المثل»، والتي يعتقد عبرها أن العالم الذي نتلمسه ونختبره من خلال الحواس، هو عالم غير حقيقي؛ بل هو عالم مشابه أو مستنسخ من العالم الحقيقي. وفي هذا العالم تتغير الأشياء، تأتي وتذهب، تبرد وتسخن، لذلك هو «عالم الأخطاء الكثيرة».
الحواس ستة، وفصول هذه الرواية ستة، وفي قصر سراج عز الدين ست غرف مغلقة يحيط بها الغموض. وغاليري الحواس الخمس مكوّن من ست طبقات، كل طابق معني بحاسة ما، وبفلسفتها. ومع كل فصل من فصول الرواية هناك امرأة مرتبطة بحاسة من الحواس. ولكل امرأة قصة قد تشبه قصص نساء كثر في هذا العالم. ربما يراها القارئ ضحية لمجتمع مزقته أمور كثيرة أحدها تعامله مع المرأة ونظرته الدونية لها، وتكالبه على المرأة الضعيفة، وعلى الأرملة والمطلقة. مجتمع يفرض سيطرته ووصايته على المرأة بكل السبل الممكنة تحت أسباب ومبررات كثيرة. فهو لا يرى فيها سوى مآرب الجسد. وقد يراها الكثيرون تحولت من ضحية لظروف ما إلى مستسلمة وخاضعة فجانية.
لكن جلال برجس في روايته هذه تجاوز قشرة أزمة المرأة العربية، وذهب إلى عمقها حين ربطها بفكرة الوطن؛ الوطن الذي ربما يسلب، والمرأة الوطن التي ربما تسلب أيضاً، وما يمكن أن يجرّ علينا من نتائج جراء هاتين الفجيعتين. وهو في هذه الرواية يقترب من الفساد بكل أشكاله، الفساد الذي يراه خيانة وطنية، تماماً مثل الخيانة العاطفية التي يراها فساداً.
كل هؤلاء النسوة، شخصيات الرواية، مرتبطات بسراج عز الدين الفنان التشكيلي، وصاحب غاليري «الحواس الخمس»، هذا المبنى الفريد المشيد على هيئة امرأة، والمكون من ست طوابق، كل طابق يمثل حاسة من الحواس، أما الطابق السادس وهو رأس المرأة فيقبع فيه مكتب سراج عز الدين. وفي هذا إحالة تضاف إلى إحالات كثيرة مهمة يجب التفكر بها لنصل إلى ما أراد الكاتب قوله، وإلى ماذا رمز هذا الغاليري بتصميمه المدهش الغريب، والذي سيثير اهتمام القارئ لأبعد الحدود، حيث سيخرج القارئ من الرواية متمنياً وجود مثل هذا المبنى على أرض الواقع.
يقع هذا المبنى الفريد في هندسته وفكرته على قمة جبل «اللويبدة « أحد جبال عمّان السبعة، وتقابله مجموعة سليمان الطالع التجارية التي تتخذ من آخر طابق في إحدى بنايات «بوليفارد العبدلي»، حديثة النشوء، مقراً لها. ليمثل هذا الغاليري بشكله، ووظائفه، وترميزاته، أملاً وسراجاً للكثير من المحبين للفنون، وللقراءة، وللفكر، وللثقافة التي يمكنها بحسب رؤية الرواية إنقاذ ما تبقى لنا. يقف غاليري الحواس الخمس في مجابهة الظلام والمادية المتفشية في البلاد العربية والقابعة في أنظمتنا الحاكمة التي ترغب في المكاسب المادية والمنافع فقط بصرف النظر عمّن تدوس عليهم الأقدام. ذلك الظلام الذي ساهم في طغيانه العولمة وما بعدها، وتوحّش السوق العالمي ورموزه، الذين ما يزالوا يحاولون تشيئ الإنسان، وتحويله في أماكن كثيرة من العالم إلى كائن مستهلِك لا منتج. ولا يمثل «سليمان الطالع» بدلالة اسمه سوى رمز لهذه الفئة، فهو انتهازي متسلق يجمع الثروات، ولا يكتفي بما يجمعه، بل يرى اسمه على كل شيء في المدينة، ويشتهي كل ما يصعب عليه.كل ذلك رغبة منه في أن يحوز على مُلك سليمان.
يتجاوز سليمان الطالع حدود اللامعقول في توحشه، وغرابة رغباته، لكن في الرواية هنالك انتصارات يقف خلفها الأمل بالمستقبل الذي تراه الرواية نفسها، والمرهون بمدى قدرتنا على الحدس.
ثمة انتصارات للجانب المظلم في الرواية وللفساد، وعلى قدر كرهنا لهذا الأمر لكنه الواقع المرير الذي نعيش فيه، ومع ذلك يولد الأمل مع كل جيل جديد، ويولد بدلاً من سراج ألف سراج، وربما يكونون أكثر وعياً منه وتداركاً للأخطاء. ويرمز الكاتب لهذا الأمل بـ «أحمد»، الطفل شبيه سراج، هذه الشخصية التي حملها الكاتب بترميزات فنتازية عالية، لا ينفصل الخيط بينها وبين الواقعي، خاصة حينما نجده يردد: «الفكرة لا تموت بموت الأشخاص؛ الأفكار تحيا، وتتجاوز كل العصور».
وبطبيعة الحياة القائمة على الاختلاف، فقد لا تتفق مع الكاتب في كل ما عرضه من قضايا أو في طريقة تناوله لقضية ما، ولكن روعة الرواية ستجعلك تتجاوز نقطة الاختلاف إلى نقاط جوهرية تريد التحدث عنها. ففي الرواية الكثير مما يستحق المناقشة والتأمل. وهذا ما يميز الكتاب الجيد عن سواه؛ دفعنا للتساؤل والتأمل، ودفعنا أيضاً لأن نغير شيئاً ما في حياتنا. وما قررته بعد قراءتي لـ «سيدات الحواس الخمس»، هو أن أنصت لحواسي أكثر، ما يجعل الحاسة السادسة أكثر تنبهاً، رغم أنه من الضروري أن نضع في اعتبارنا أننا قد نصيب وقد نخطئ، فلنتعلم الإنصات!
مقال رأي للدكتورة أسماء شنقار نقلا عن صحيفة الرأي الأردنية


مشاركة مميزة

لمحات من أحد طواغيت التاريخ (ستالين) (الإله.. الذي أنكروه) - عزت عبد العزيز حجازي - من كتاب جبروت الطاغية وطغيان الحاشية)

¨   بعد أن أطلقوا عليه في حياته أسماء كثيرة، كادت أن ترفعه إلى مقام الآلهة أو الأنبياء.. فقد قالوا عنه أنه:(أحب شعبه؛ وأنه "ال...

المشاركات الشائعة أخر 7 أيام