السبت، 24 فبراير 2018

أفكار ليلية قصة قصيرة : إبراهيم محمد عامر

أفكار ليلية 
قصة قصيرة : إبراهيم محمد عامر

علي المقهي جلس . مقهي بعيدآ عن الديار . لا يحب أن يره أحد الجيران . طالع الناس من خلف زجاج النظارة العتيقة . شد ما أدهشه التغير الذي أصاب الناس . ضوضاء في الشوارع . لم تعد الساحات ملاعبآ للأطفال , ولكن أصبحت ملاذآ للأحبة وأوكارآ للبلطجية . وضع الفهوجي كوبآ من الشاي وآخرآ للماء علي المنضدة الصغيرة . الزبائن منشغلين بمباراة لفرق من أوروبا تلعب . مستقر تحت شجرة عليها مصباح كهربي ذو نور قوي . لحظ أمامه كشكآ للجرائد , قام وأشتري – بحكم العادة – جريدة الأهرام . طوال حياته لم يؤمن بالمذكور في الجرائد . درب عقله دائمآ علي العكس . أن يقلب الخبر الذي يقرأه ألي الضد , فيصل ألي الحقيقة .
الجو صيفآ . وكل نسمة هواء تأتي تترك أثرآ طيبآ علي النفوس . السماء جافة لا سحب فيها ولا قمر . ليلة كئيبة , أضطرته للخروج من بيته هذا المساء .
هرج فظيع أصدره المترصصون أمام الشاشة الكبيرة , يبدو أن أحدي الفرقتين قد سجل هدف . يؤمن دومآ بأن التشجيع الصاخب ناتج عن الكبت الفظيع . في صغره كان يشجع أحد الفرق , لم يلبث أن أصاب بالملل . لم يتخيل أن يمضي عمره كله مرتبطآ بفريق كرة يتغير كل موسم لاعبيه , ولا يغيره هو . فقام بتشجيع كل الفرق التي شهدها , حتي مل التشجيع بأكمله .
بيده الخبيرة مس كوب الشاي . ألفاه ساخنآ , فقربه من شفتيه وشرب رشفة . تفاجأت عيناه بعاشق يتبادل حديثآ ناعمآ مع معشوقته خلف شجرة ضخمة في حديقة أمام المقهي . أبتسم , منعه الحياء أن يراقبهما .
قلب في صفحات الجريدة , لم ير ما يثير الأنتباه . كل شيء ساكن . حتي الدواخل ساكنة . تذكر زوج ابنته . يعمل في الصحافة . موزع جرائد أحدي الصحف الخاصة . يهاديه كل يوم في المغرب أربع نسخ منها . مرصصة لا يقرأها . لا يؤمن بالخاص أبدآ . الخاص ملك لأشخاص , أذا رضوا سيرضي وأذا آبوا فسيأبي . لقد فر الليلة من صخب الأحفاد . يحبه دون شك . ولكن أعتاد أن يجد نفسه في الوحدة . لا يطيق أن يعبث أحدآ في نظامه .
المعاش وأحكامه . لم يمض شهرآ علي أحالته للمعاش . كانت أيامآ صعبة . زاد فيها مزاجه سوءآ . باتت الدنيا في عينيه أشد سوادآ . ها هي الحكومة تمنحه ورقه في أنتظاره من يعيده أليها عند الوفاة .
فاجأه البيت بعد أن صار مرتعآ للأحفاد . وما أكثرهم , ما شاء الله . الزوجة كبرت وصارت في حاجة لمن يخدمها . يضحكان سويآ عما مضي . في أول الأيام كان يحس بالفرح الحقيقي لأنتهائه من مهمته وتفرغه لحياته كي يهنأ بما تبقي فيها . ألا أنه مع الأسبوع الثاني لمح الملل في العيون . بات الكل يصطدم به في الحركة . الأفضل لك يا بابا أن تستريح , لا تجهد نفسك بالحركة . نقص أن يطلبوا منه ألا يخرج من غرفته .
أصطحب كرسيآ ونزل به ألي الشارع . جلس بجوار محل البقالة . تصادق مع صاحبه . في أسبوع أصبح كلآ منهما يعرف عن الآخر ما لا تعرفه زوجته عنه . بات الحديث مكررآ لا جديد فيه . بات الأولاد أشد ضيقآ من وجوده المعتاد في الشارع . الابنة الكبري تصيح يا بابا أنت رجل محترم , قعدة الشوارع لا تليق بك . أختنق فأغلق علي نفسه بابه .
التلفزيون . مسيخ القرن الدجال ذو العين الواحدة . جلس يرقب كل محطاته . المصرية والعربية والدولية . أقتنع بأن كل الأخبار كاذبة , وكل المذيعين في عالم آخر . ألقي بالريموت في عصبية ذات يوم فأصطدم بمرآة الغرفة وحطمها . نظرة لائمة من الزوج , ومتشككة في العقل من الابناء هونتا عليه الموت في هذه اللحظة .
علا الهرج ثانية . جميلة الكرة برة . آخر مباراة شاهدها لفرق مصرية أنتهت بتعادل سلبي . أضاع من عمره تسعون دقيقة في مشاهدة جري فقط .
أنهي كوب الشاي . وقف القهوجي متربصآ ينظر أليه . قال متحشرجآ : واحد شاي كمان أذا سمحت . نسمة هواء بارد مسته فأنتعش . وقعت علي رأسه عدة ورقات من الشجرة . وأهتز المصباح الكهربي الكبير .
نزل مع حفيده ذات صباح حاملآ قفص الأرغفة . في الشارع ضحكوا منه . لم يروه أبدآ في نزول لقضاء حاجة . يعرفونه طول عمره موظفآ في السجل المدني . لا يخرج ألا للعمل . ولا يزور ألا من به ظرف .
أمام الفرن هاله الزحام الشديد . شد الصغير أصبعه لما لمح بائع غزل بنات ينادي علي بضاعته . أتي دوره , فأنشغل مع صبي الفرن في تناول أرغفته . بينما أنسل الغلام من يده وأختفي .
وقف مدهوشآ . ظل ينادي عليه . تجمع الناس حوله . لم يتحرك أحدآ للبحث عن الغلام . أرتمي ألي جوار حائط يغالب عينيه .
عاد يومها ألي بيته يسائل نفسه كيف يقص عليهم الواقعة ؟! . كيف أضاع الصغير من يده ؟! . خبط علي الباب , ففتحت له الابنة وعلي شفتيها أبتسامة :
كنت فين يا بابا ؟! . وفين العيش ؟!
لم يدر ماذا يقول . ألا أن شبحآ مر من أمامه قد أضاع من ذاكرته أي كلمة يعرفها . كان الصغير قد أخذ يجري في الصالة مرحآ . وفي يده كيس ضخم من غزل البنات .
وضع أمامه كوب الشاي الجديد . كان القهوجي سريعآ , أندلق جزءآ من الشاي علي الجريدة فبللها .
سمع صوتآ يقول : ملعون أبوك يا كريستيانو !
لم يدر من كريستيانو . ولم يدر السبب في نيله السباب من الناس . وفكر أذا ما كان كريستيانو جالسآ هنا أم في شارع آخر .
أقتربت قطة من الشجرة التي يجلس بجوارها . نظرت أليه طويلآ . ظنها تبحث عن طعام . ألا أنها ألتفت حول الشجرة . ظلت تنبش في الأرض . ورقدت فوق حفرة كونتها , وبدأت تبول . أفاق من التأمل حين رأي دشآ من مياه جوزة قد أرتمت عليها في قسوة . فقفزت ملسوعة في رعب . وجرت
قال القهوجي في لوم : بقي كدة يا حاج تسيبها تعمل كدة في الحتة اللي بناكل منها عيش !
كان صوت القهوجي عاليآ . نظرت بعض العيون أليه . قام في أحراج . أحس القهوجي بشيء من الندم . أقترب منه .
هو حضرتك من فين ؟!
رد بأنه من حي قريب لهذا الحي . ضحك القهوجي وقال : وهو الحي بتاعكم ما فيهوش قهاوي . أقعد يا راجل يا طيب نا بهزر معاك .
تسربت ألي أنفه رائحة كبدة شبهية من عربة علي الرصيف المجاور . أحس بالجوع . أقترب من العربة في شوق . مد يده في جيبه ليعرف كم معه ليشتري ساندويتشات منها .
ألا أنه لم يجد شيئآ !

ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

لمحات من أحد طواغيت التاريخ (ستالين) (الإله.. الذي أنكروه) - عزت عبد العزيز حجازي - من كتاب جبروت الطاغية وطغيان الحاشية)

¨   بعد أن أطلقوا عليه في حياته أسماء كثيرة، كادت أن ترفعه إلى مقام الآلهة أو الأنبياء.. فقد قالوا عنه أنه:(أحب شعبه؛ وأنه "ال...

المشاركات الشائعة أخر 7 أيام