منيرة
قصة قصيرة بقلم : إبراهيم محمد عامر
أعتقد محروس عبد النعيم طوال عمره أن اسمه علي مسمي , وأنه محروسآ دائمآ من أي شر أو عين , فلم يعهد عنه أبدآ أتخاذه أية أجراءات أحترازية لدفع أي شر عنه , فكان يطلق نفسه علي سجيتها , غير عابيء بمخططات القدر ولا تدابير الأيام .
حتي أنه عندما تزوج , لم يبال بأصل زوجته أو يكلف نفسه بالسؤال عن أهلها . بل أكتفي بما وصفته أمه من خلقها وتربيتها , فتزوج .
ولما أنجب لم يأل بالآ بأية أعباء للمواليد الصغار , فأهمل شأنهم .
لم يكن يري حاملآ لهم , حتي مر علي زواجه عشرين سنة . أصبح له من الأبناء أربعة , محمد وسيد ويوسف ومنيرة .
أبتسم ذات يومآ ساخرآ , لما وجد في كتب محمد – ابنه الأكبر – كتبآ جامعية , فكانت أول مرة يعرف أنه كبر , وأن له أولادآ في الجامعة .
والحق أنه لم يكن فاسدآ , أو لاهثآ وراء شهواته . بل كان رجلآ فاضلآ , ما أن تكاد تلمحه حتي تأسرك طيبته , بشوش ذو ضحكة رنانة أذا كان المزاج رائق . وما أكثر ما يكون المزاج رائق . وكان مصليآ متبعآ لدينه , علي علم جيد بأصوله . يصلي في بيته خمس مرات في يومه , ويصلي في المسجد كل جمعة . ويستمع ألي الخطبة – غالبآ – نصف نائم , لكن لا يهم المهم أنه يصليها .
ولكن , أيعقل لأنسان أن يعيش بلا هموم . أيعقل لأنسان يحيا في هذه البلد أن تكون حياته هكذا . خاملة بلا هدف , راكدة بلا مسعي ؟!
بالتأكيد لا . فمحروس الذي عاش خمسين سنة في سعادة لم يكن يؤرقه شيء قدر ما كان يؤرقه حال ابنته الوحيدة منيرة . من يومها وهي سبب متاعبه التي يتظاهر أمام الناس وحتي نفسه بتجاهلها .
يتذكر جيدآ أول يوم أتت فيه ألي الدنيا , وكيف كان يلوم زوجته – حتي قبل أن يعرف أنها بنت – علي أنجابهما للمرة الرابعة ! . ويذكر جيدآ الخناقة التي أقامها ليلة مجيئها ألي الدنيا , وكيف كان يصرخ :-
بنت , يا ليلة سوداء . بنت , ودي أعمل بها أيه ؟!
ودموع زوجته تسيل . ثم ما لبث أن سكن كعادته . ثم تغطي ونام .
منيرة الآن صبية في العشرين , دخلت الجامعة منذ سنتين . كلية أداب , كأغلب الفتيات .
ومنيرة جميلة . نعم جميلة . باتت شابة تخطف الأنظار كلما مشت . ذات نهدين شامخين . يتمني الجميع أن ينالها , ولكن الباب موصود , فمنيرة لا زالت تدرس . وترفض أي عريس حتي قبل أن يطرق الباب . عنيدة , تعرف قيمة نفسها , وأنها ليست كأية فتاة تخطب ويقفل عليها بالقفل .
يذكر كم من عريسآ رآه مناسبآ تم رفضه دون أن تراه . سببت له حرجآ أمام أقاربه وأصدقاء العمر . لعن برودتها , وغاظه كبرياؤها الذي لا يدري من أين ورثته !
كانت منيرة تعرف أباها وتكره أسلوبه في الحياة . قررت منذ أدركت أن تكون خلافه في كل شيء . فقد رأته ضعيفآ فصممت علي أن تكون قوية , كان مهزوزآ فكانت راكزة . أذا أختار اليمين تختار الشمال . دائمآ تعانده حتي في الأراء التي يثبت صحته فيها بعد حين . ولذلك لم يكن يحبها , كما لم تكن تشعر نحوه بشيء . فسعي كلاهما ألي تجنب الآخر قدر الأمكان .
لا يلتقيان ألا أول الشهر حين يعود من عمله – في وزارة الكهرباء – لتأخذ منه مصروف يدها . تنفقه علي الملابس والعطور . وعلي الروايات الرومانسية التي أدمنتها من صغرها . وسرعان ما ينفذ المصروف فتطلب من أمها بخجل المزيد .
ومنيرة لها في الجامعة أصحاب , شبان وفتيات . وتعامل الجميع سواء , معاملة مهذبة بالطبع . فهي تحرص كل الحرص علي صورتها أمام الناس .
وكان الأقرب أليها زميلآ اسمه أحمد , عرفته منذ شهرين .
وكان أحمد ثرثارآ من النوع الذي يجذب الناس أليه بتلقائيته , لا يحمل للدنيا همآ , فأحمد ابنآ لناس أغنياء . وما دراسته في الجامعة ألا بروازآ يزين الصورة التي يريدها أهله له أمام الناس . رآها فعجبه منها جمالها وجرائتها . وعجبها منه تلقائيته وفشله , فقد كان أحمد من الراسبن المعتادين في الكلية .
رأت في حياته شيئآ مشابهآ لحياة لوالدها . كانا متشابهان في الأسلوب وطريقة الحديث .
وكم كان عجبآ لها أن تعجب بشخص من طينة والدها التي طالما حاولت أن تفر منها !
توطدت علاقة منيرة بأحمد , فأزدادت مقابلاتهما . وزاد أنسجامهما مع بعض .
أحبها ربما . ولكن في داخلها لم تشعر بأنها تحبه , بل أن في داخلها شيئآ ما يحتقره , وما يراه ألا تافهآ . ولكنهما أستمرا علي عهد الصداقة لا يفترقان ألا قليلآ .
ذات عصر كانت عائدة من الكلية . تسير الهويني بخفة . علي صدرها أسندت الكتب وعلي كتفها أستقرت حقيبة متوسطة . وعلي شفتيها أبتسامة تزين وجهها الأسمر المنحوت .
توقف أمامها ثلاثة شبان . تبدو ملامحهم أقرب ألي الهمجية , ويظهر أنهم ليسوا من أولئك الذين يرمون كلمة ويمشون . يبدو أنهم من الطائفة الجديدة الغالب عليها صفة الأجرام , والتي باتوا بالمتحرشين .
المتحرشون , وياله من لفظ جديد . مبتكر , ولكنه مخيف .
نظرت أليهم فأرتاعت لما رأته من نية سيئة مبيتة في أعينهم .
سارت بسرعة فأسرعوا . جرت فجروا . صرخت فلم يأبهوا . نظرت حولها فلم تجد أحدآ , صرخت . وصرخت بقوة بينما أيديهم أمتدت وطالت .
فبكت .
ولما رجعت ألي بيتها كانت في حالة يرثي لها , ما أن رأتها أمها حتي فهمت من عينيها المكسورتين ما أصابها . ضمتها ألي حضنها مغالبة دموع قد تزيد من دموع الابنة المتقاطرة في صمت .
خرج الأب حاملآ كوب شاي . وما أن رآها , حتي أنخلع قلبه . أمسك بقلبه في ضعف . أما لهذه البنت من نهاية ؟! . أما لهمومها من آخر ؟! .
أتسعت عيناه وبرقتا . صمم علي تزويجها . هكذا مرة واحدة , أقسم في ثورة . وكان العريس جاهزآ , ابن لأخ له . متخرج من الجامعة وكسيب . وستتزوجه أو تتزوج بمن مثله آجلآ أو عاجلآ .
لكنها رفضت . لا يكسر عنادها حدثآ , فأزداد عصبية . وشتمها فصمتت , وضربها فلم تعترض .
وظل يذكرها بحقدها وقلبها الأسود . وأنه يكرهها دونآ عن باقي ابنائه , وأنها لا تستحق ذرة عرق ينزفها لأجلهم . وأنه طالما تحمل لأجلهم رغم أنه لا يظهر .
وما لبث أن دمعت عيناه ثم بكي . وبكت هي الأخري , ثم قامت . وقبلت رأسه .
وتعانقا ربما للمرة الأولي لهما . ولكن , بدا أنها لن تكون الأخيرة .
حتي أنه عندما تزوج , لم يبال بأصل زوجته أو يكلف نفسه بالسؤال عن أهلها . بل أكتفي بما وصفته أمه من خلقها وتربيتها , فتزوج .
ولما أنجب لم يأل بالآ بأية أعباء للمواليد الصغار , فأهمل شأنهم .
لم يكن يري حاملآ لهم , حتي مر علي زواجه عشرين سنة . أصبح له من الأبناء أربعة , محمد وسيد ويوسف ومنيرة .
أبتسم ذات يومآ ساخرآ , لما وجد في كتب محمد – ابنه الأكبر – كتبآ جامعية , فكانت أول مرة يعرف أنه كبر , وأن له أولادآ في الجامعة .
والحق أنه لم يكن فاسدآ , أو لاهثآ وراء شهواته . بل كان رجلآ فاضلآ , ما أن تكاد تلمحه حتي تأسرك طيبته , بشوش ذو ضحكة رنانة أذا كان المزاج رائق . وما أكثر ما يكون المزاج رائق . وكان مصليآ متبعآ لدينه , علي علم جيد بأصوله . يصلي في بيته خمس مرات في يومه , ويصلي في المسجد كل جمعة . ويستمع ألي الخطبة – غالبآ – نصف نائم , لكن لا يهم المهم أنه يصليها .
ولكن , أيعقل لأنسان أن يعيش بلا هموم . أيعقل لأنسان يحيا في هذه البلد أن تكون حياته هكذا . خاملة بلا هدف , راكدة بلا مسعي ؟!
بالتأكيد لا . فمحروس الذي عاش خمسين سنة في سعادة لم يكن يؤرقه شيء قدر ما كان يؤرقه حال ابنته الوحيدة منيرة . من يومها وهي سبب متاعبه التي يتظاهر أمام الناس وحتي نفسه بتجاهلها .
يتذكر جيدآ أول يوم أتت فيه ألي الدنيا , وكيف كان يلوم زوجته – حتي قبل أن يعرف أنها بنت – علي أنجابهما للمرة الرابعة ! . ويذكر جيدآ الخناقة التي أقامها ليلة مجيئها ألي الدنيا , وكيف كان يصرخ :-
بنت , يا ليلة سوداء . بنت , ودي أعمل بها أيه ؟!
ودموع زوجته تسيل . ثم ما لبث أن سكن كعادته . ثم تغطي ونام .
منيرة الآن صبية في العشرين , دخلت الجامعة منذ سنتين . كلية أداب , كأغلب الفتيات .
ومنيرة جميلة . نعم جميلة . باتت شابة تخطف الأنظار كلما مشت . ذات نهدين شامخين . يتمني الجميع أن ينالها , ولكن الباب موصود , فمنيرة لا زالت تدرس . وترفض أي عريس حتي قبل أن يطرق الباب . عنيدة , تعرف قيمة نفسها , وأنها ليست كأية فتاة تخطب ويقفل عليها بالقفل .
يذكر كم من عريسآ رآه مناسبآ تم رفضه دون أن تراه . سببت له حرجآ أمام أقاربه وأصدقاء العمر . لعن برودتها , وغاظه كبرياؤها الذي لا يدري من أين ورثته !
كانت منيرة تعرف أباها وتكره أسلوبه في الحياة . قررت منذ أدركت أن تكون خلافه في كل شيء . فقد رأته ضعيفآ فصممت علي أن تكون قوية , كان مهزوزآ فكانت راكزة . أذا أختار اليمين تختار الشمال . دائمآ تعانده حتي في الأراء التي يثبت صحته فيها بعد حين . ولذلك لم يكن يحبها , كما لم تكن تشعر نحوه بشيء . فسعي كلاهما ألي تجنب الآخر قدر الأمكان .
لا يلتقيان ألا أول الشهر حين يعود من عمله – في وزارة الكهرباء – لتأخذ منه مصروف يدها . تنفقه علي الملابس والعطور . وعلي الروايات الرومانسية التي أدمنتها من صغرها . وسرعان ما ينفذ المصروف فتطلب من أمها بخجل المزيد .
ومنيرة لها في الجامعة أصحاب , شبان وفتيات . وتعامل الجميع سواء , معاملة مهذبة بالطبع . فهي تحرص كل الحرص علي صورتها أمام الناس .
وكان الأقرب أليها زميلآ اسمه أحمد , عرفته منذ شهرين .
وكان أحمد ثرثارآ من النوع الذي يجذب الناس أليه بتلقائيته , لا يحمل للدنيا همآ , فأحمد ابنآ لناس أغنياء . وما دراسته في الجامعة ألا بروازآ يزين الصورة التي يريدها أهله له أمام الناس . رآها فعجبه منها جمالها وجرائتها . وعجبها منه تلقائيته وفشله , فقد كان أحمد من الراسبن المعتادين في الكلية .
رأت في حياته شيئآ مشابهآ لحياة لوالدها . كانا متشابهان في الأسلوب وطريقة الحديث .
وكم كان عجبآ لها أن تعجب بشخص من طينة والدها التي طالما حاولت أن تفر منها !
توطدت علاقة منيرة بأحمد , فأزدادت مقابلاتهما . وزاد أنسجامهما مع بعض .
أحبها ربما . ولكن في داخلها لم تشعر بأنها تحبه , بل أن في داخلها شيئآ ما يحتقره , وما يراه ألا تافهآ . ولكنهما أستمرا علي عهد الصداقة لا يفترقان ألا قليلآ .
ذات عصر كانت عائدة من الكلية . تسير الهويني بخفة . علي صدرها أسندت الكتب وعلي كتفها أستقرت حقيبة متوسطة . وعلي شفتيها أبتسامة تزين وجهها الأسمر المنحوت .
توقف أمامها ثلاثة شبان . تبدو ملامحهم أقرب ألي الهمجية , ويظهر أنهم ليسوا من أولئك الذين يرمون كلمة ويمشون . يبدو أنهم من الطائفة الجديدة الغالب عليها صفة الأجرام , والتي باتوا بالمتحرشين .
المتحرشون , وياله من لفظ جديد . مبتكر , ولكنه مخيف .
نظرت أليهم فأرتاعت لما رأته من نية سيئة مبيتة في أعينهم .
سارت بسرعة فأسرعوا . جرت فجروا . صرخت فلم يأبهوا . نظرت حولها فلم تجد أحدآ , صرخت . وصرخت بقوة بينما أيديهم أمتدت وطالت .
فبكت .
ولما رجعت ألي بيتها كانت في حالة يرثي لها , ما أن رأتها أمها حتي فهمت من عينيها المكسورتين ما أصابها . ضمتها ألي حضنها مغالبة دموع قد تزيد من دموع الابنة المتقاطرة في صمت .
خرج الأب حاملآ كوب شاي . وما أن رآها , حتي أنخلع قلبه . أمسك بقلبه في ضعف . أما لهذه البنت من نهاية ؟! . أما لهمومها من آخر ؟! .
أتسعت عيناه وبرقتا . صمم علي تزويجها . هكذا مرة واحدة , أقسم في ثورة . وكان العريس جاهزآ , ابن لأخ له . متخرج من الجامعة وكسيب . وستتزوجه أو تتزوج بمن مثله آجلآ أو عاجلآ .
لكنها رفضت . لا يكسر عنادها حدثآ , فأزداد عصبية . وشتمها فصمتت , وضربها فلم تعترض .
وظل يذكرها بحقدها وقلبها الأسود . وأنه يكرهها دونآ عن باقي ابنائه , وأنها لا تستحق ذرة عرق ينزفها لأجلهم . وأنه طالما تحمل لأجلهم رغم أنه لا يظهر .
وما لبث أن دمعت عيناه ثم بكي . وبكت هي الأخري , ثم قامت . وقبلت رأسه .
وتعانقا ربما للمرة الأولي لهما . ولكن , بدا أنها لن تكون الأخيرة .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق