الأحد، 25 فبراير 2018

وقل اعملوا - بشير القاضي

وقل اعملوا 
مرت عقود والحاج عربي يستنهض ابنه كل فجر بلا كلل ولا ملل وعبد الله حتى بعد امتلاكه لنصف دينه لم يستوعب الدرس بعد .....
عبارات حفظها عبد الله بجميع حواسه إلى درجة بات تفاعله مع صداها بدون إثارة ..... عبارات دأب عليها عربي كعادته وأخذ طريقه للقيام بواجب الطاعة فهو لا يفوت أداء ركعتي الفجر في المسجد إلا لرخصة قاهرة ....
التمس طريقه بخطى ثابتة ونفس مطمئنة ولسان رطب يسأل الله الرضا والهدى والتقى والعفاف والغنى وحسن الخاتمة وصلاح الأبناء ...بعد الانتهاء من العبادة خرج عربي من المسجد وهو يسرح ناظريه بين خيوط الفجر وهي تشق عباب الظلمة لميلاد يوم مستنير ... كم كان يود لو كان عبد الله يأخذ بيديه ويسند هامته التي تأبى الانحناء متحدية ضربات الدهر وقسوة المعيقات في مسا لك الحياة ... 
هل تراه استيقظ..؟ كيف له أن ينشط في القيام مبكرا ...؟
عبد الله لم ينم إلا قبل الفجر بقليل يقضي معظم الوقت أمام شاشة محمولة مشحونة بمواقع التفاعل الاجتماعي غالبية مستخدميها يسعون لترميم ذواتهم افتراضيا ليبدوا أجمل وأفضل وأكثر إغراء مما هم عليه ....والمضطربون عاطفيا يشعرون بالسعادة والرضا عندما يحصلون على الكثير من التعليقات انه "غزو البلهاء " على حد تعبير الكاتب "أمبرتو ايكو ".....
دفع عربي الباب وهو يرهف السمع عله يسمع جلبة عبد الله يستعد ليوم جديد......
مازال المدلل يغط في نوم عميق ...سار العم عربي يخطى أثقلتها السنون نحو المحل، هو دأب على فتح المحل قبل طلوع الشمس فهو يربط بين الرزق والبكور ويعتقد أن الأرزاق توزع قبل الفجور ...في طريقة جاءه صوت جاره محمود الساعي إلى حقله بخطى حثيثة كأنه يسابق الزمن لإنهاء أعمال عالقة 
-نهارك طيب يا عربي 
-أسعد الله يومك يا محمود 
همهم محمود برهة وكرر عليه سؤالا يوميا فيه شفقة على صاحبه العجوز ورجاء مضمرا بالهداية لابنه 
-أين عبدالله ؟ هل سبقك إلى المحل ؟
قبل أن ينهي سؤاله الذي يقع على قلب العربي المنهك كالصاعقة وتفاديا لضرباته المتتالية التي أصبح يشتم منها رائحة السخرية والشماتة في الأيام الأخيرة بعد أن خير عبدالله ابنة خالته زوجة له على بنت محمود ..أو لعل أمه هي التي دفعته إلى ذلك دفعا ...أوصاه قائلا :
-لا تنسى أن تجلب لي معك في المساء ما اتفقنا عليه من خضار ...
فهم محمود أن جاره يتهرب من الإجابة ، وأراد عربي أن يوحي لمحمود أنه مازال قادرا على العطاء والعمل وأن رقي المجتمعات وتقدمها وأن الحضارات والأمم لا تقاس إلا بجدية شعبها وإحساسه بالمسؤولية وقيمة العمل ...وهو يردد في نفسه قول الله عز وجل (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)....
بشير القاضي 

ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

لمحات من أحد طواغيت التاريخ (ستالين) (الإله.. الذي أنكروه) - عزت عبد العزيز حجازي - من كتاب جبروت الطاغية وطغيان الحاشية)

¨   بعد أن أطلقوا عليه في حياته أسماء كثيرة، كادت أن ترفعه إلى مقام الآلهة أو الأنبياء.. فقد قالوا عنه أنه:(أحب شعبه؛ وأنه "ال...

المشاركات الشائعة أخر 7 أيام