من ضائع إلى مُدير بضائع
قصة للفتيان من 12 - 15!
تأليف
السيد القماحي
فى ندوة حاشِدة ، بإحدىَ القاعات الكُبرى بالعاصمة ، هى الأولى من نوعها ، أُقيمت ، ليس لتكريم فتيان نابغين ، وفتيات نابغات فقط.. بل لسماع حكايات نجاحهم المدهشة ، وهاهو أحدهم يحكى قصة نجاحه ، التى لا تخلو من أحداث طريفة وعجيبة .
- أنا فتى ريفى ، جئت للعاصمة بحثاً عن عمل . وهالَى ما رأيت ...!
تساءلت تساؤلاً ريفياً ..! بينى وبين نفسى :
( كيف لا توفر هذه المدينة ، الفخيمة الضخمة ، فُرص عمل ، حتى لأبنائها ) ..؟!
وكِدتُ ألومُ نفسى ، إذ جئت إلى عاَلَم مُكتظ بالبَشر ، والمشاكل ..! عاَلَم أشبه بِمُحيطٍ شاسع ، لا ترىَ منه سِوىَ رؤوس الحيتان ، وأسماك القِرش ، التى تختفى تحتها الأسماك الصغيرة المسكينة ..! كما ترى أيضاً أمواجه العاتية والصاخبة .
وشعُرت وكأنى سمكة صغيرة مسكينة ...! هاجَرت من تِرعة مِتواضعة فى الريف ، إلى مُحيط المدينة الفظيع الإتساع ، لأفاجأ بهذه الرؤوس المفترسة ..!
وفكرت فى العودة إلى الريف ، وعدم البقاء فى هذه المدينة، دقيقة واحدة .!
لكن مُبرراً قوياً ، حملنى على البقاء .. هو طلب تقدمتُ به للعمل فى مصنع للإلكترونيات ، قرأت إعلاناً له ، نُشر فى الصحف ، بطلب مُهندسين شُباناً ، وانتظرتُ أن أتلقىَ رداً بقبول أو رفض ، ثم علمت أن المصنع رفض كل الطلبات ، التى تقدمت إليه ..!
تعجبت وصِرتُ أُردد مع نفسى ، وأقول لكُل من أقابله من معارفى :
- كيف بالله .. مصنع ، يُعلن عن حاجته إلى مُهندسين جُدُدْ ، وعندما يتقدم المهندسون يرفضهم ؟ أليس هذا لُغزاً..؟!
وكُنت أُبرر هذا الرفض ، لأُريح نفسى من عذاب التساؤُل، بقولى :
( رُبما هُناك مُشكلة ما عويصة ، فى هذا المصنع ، والمسئولون عنه يبحثون عن الشخص ، الذى فى مقدوره حَلْ هذه المشكلة ، وفى إختياراتهم للمُتقدمين للوظيفة ، فلم يعثروا على هذا الشخص .
تألمت لحالى مع الوقت ، وحال الكثيرينَ من الشُّبان الجامعيين ، أمثالى ، ممن تخرجوا ، عندما شاهدت البعض منهُم وهو يبيع الدبابيس ، والأمشاط ، والمناديل الورقية ، والسِّلع البسيطة ، فى الميادين المزدحمة ، ثم وهُم يهرولون ، وسط الزحام، هرباً ، مع الباعة الآخرين حاملين طاولاتهم على أيديهم، أو فوق رؤوسهم ، مُطارَدين كاللصوص ، هرباً من شُرطة البلدية .
وذات يوم ... وفى إحدى الحدائق العامة ، جلست مُطرقاً، على مقعد خشبى ، مُفكِرَاً ، مهموماً ..
وإذا برجُل مجهول ، عرفت فيما بعد ، أنه قد جعل له يوماً فى الأسبوع يقضيه تطوعاً " دونَ مُقابل " ، خِدمة للشباب من أبناء وطنه ..!
لاحظنى ، وتركزت عيناه علىّْ ، واقترب منى .
ملامحه الطيبة ، جعلتنى ألتفت إليه ، وأستمع إلى سؤاله :
- ما بِكَ يا ولدى ؟!
فقُلت :
- إنى عائد لتوى ، من مصنع للإلكترونيات .. كُنت أسأل هُناك ، وعلِمت بأنه رفض طلبى ، مع كثيرين غيرى !.. وتعجبت ، فلم يكُن سؤالى هُناك للمرة الأولى .
فسألنى :
- عزيزى .. ماذا قلت فى طلب الوظيفة ؟
أجبتُه بدهشة ، وكأنما أستنكِر سؤاله :
- قُلت مثلما قال مئات المتقدمين مثلى ، لهذه الوظيفة ..!
- خطأ .. خطأ ..! مثل ما قالُه المئات غيرى ..! خطأ .. خطأ..!!
سألته ، وما تزال بى دهشة :
- كيف ذلك يا عَمْ ؟ .. ما هذا الخطأ ؟
- ليس سوىَ كلام سخيف ، تقولونه ، وتسودُون به طلباتِكُم، كتلك التى كان يكتبها المتقدمون زمان ، يتسولون بها وظيفة ، من السادة أصحاب المصانع ، والأعمال ، أى طلبات بصيغة الذُّل ..!
وأضاف :
- وحتى فى طلباتكُم هذه الضحلة ، تناقضونَ بها أنفسكُم ، يا شبان اليوم ..! وتناقضون بها علومكم الحديثة .. الإلكترونيات والهندسة .. عجباً ..!
ثم إستدار إلىَّ الرَّجُل ، بكُل جسمه ، لمواجهتى وقال :
- إسمع يا بُنى .. إليك ما يجب قوله ، فى طلبك غداً ، أو بعد غد ... أكتب لهم مُجَدداً .. ما داموا هُم فى حاجةٍ إلى كفاءة .. لا تتأخر..
أكتب لهم هكذا :
( أنا المهندس فلان ... أتقدم لإنقاذ مصنعكُم ) ..!!
زادت دهشتى ، وسألته :
- وبماذا أجيبهم ، يا عم ، عندما يسألوننى هُناك ، بسُخرية :
( كيف تنقذ مصنعنا أيُّها الشاب ؟! )
فقال الرجُل بنفس الحماسة :
- إسمعنى يا ولدى .. لا خير يُرجَى مع طلب ( مسكين ) .! .. أنا شاب أحمِل شهادة كذا .. وأعول أسرة .. إلخ .. لا تكتُب طلباً كهذا أبداً .. إسمعنى !
قدِم طلباً عصرياً ، مُثيراً ، ومُحترَماً ..! طلباً يليق بشاب مُتعلم ، ذى كرامة ، بشرط أن يكون هذا الطلب ، على أساس صغير ، ولو فى حجم رأس الدبوس .. إسمعنى !
فقلت :
- أنا لم أكتب طلبى بهذا الأسلوب الذليل ، الذى ذكرته يا عم، ولا أظن أن غيرى كتبه .. لكن ماهو هذا الأساس ، الذى تقصده ، والذى تريده أن يكون فى طلبى ؟
فقال الرجُل :
- إذا أردت يا بُنى النبوغ فى عمل ، أو لكى يقبلوك ، للقيام بعملٍ ما ، كما قلت لك ، فابحث أولاً عن شىء ، ولو صغير جداً ، بشرط أن يكون جديداً ، ومُفيداً ، فى مجال هذا العمل الذى تريد ممارسته ، ثم قدم طلبك ..!
- ولا تنسى شيئاً .. ولو صغيراً جداً ..! شيئاً يكون هو الأساس ، الذى يجب ذكره فى هذا الطلب .
هكذا رُحت أُرَدِّدُُ فى نفسى ، ما قاله لى هذا الرجُل المجهول ...!
وهممت للبداية .. ورُحت أبحث فى نشاط وحماسة ، وأجمع المعلومات ، كبيرها وصغيرها ، عن هذا المصنع ، الذى أردت العمل فيه مُهندساً .. لعلِّى أعثر علىَ شىء من هذا الأساس ..!
وفى يوم .. إمتلأت فرَحاً .. إذ عثُرت على المطلوب ! .. وأسْرَعت بتقديم طلب جديد ومُثير ! إلى نفس المصنع :
( بعد التحية .. أنا المهندس فلان .. أتقدم لإنقاذ مصنعكم)..!
وكما توقعت .. حدَّق المدير فى وجهى .. الذى جلَس أمامى يختبرنى .. وينظُر إلىَّ ، مُخفياً بين شفتيه ، سُخرية ، وشفقة..!
ثم ألقىَ بسؤاله التالى :
- تنقذ مصنعنا ..؟! كيف يا عزيزى الشَّاب ؟!
وشرحت لهُ ، بثقة العارِف ، العالِم ، المطلع على بواطن الأمور..!
- هذه العيوب فى شرائِح " السِّليكون " ، مما تنتجونه فى مصنعكم ، سببها الأساسى ، قُرب المصنع من خطوط السِّكك الحديدية ، إذ تهتز الأرض تحت الماكينات الحساسة ، كلما مَرَّ قِطار ، فيخرج مُنتجكُم مشوهاً ، دونَ مستوى غيره ، من المصانع الأُخرى ، المنافسة لكم ..!
ولمحتُ فى عينىّ المدير علامات التحول ، وقد كفت عن السخرية ، لتحِل محلها الملامِح الجادة الصارِمة ، المترقبة ، إذ تحولت إلى 180 درجة ..!
وأضفت أقول للمُدير :
- هذا التشوه .. يحدُّث لمنتجكُم ، لهذا السبب الرئيسى الذى ذكرته ، برغم محاولاتكُم اليائسة ، لإصلاح هذه العيوب، وبرغم محاولاتكُم فى البحث عن مُهندسين أكِفَاء ، والإعلان المتكرر ، عن طلبهم فى الصحف ..!
وعادت ملامح المدير ، إلى الإستقرار ، وإلى الإبتسام والتقدير ، وقال :
- ما تقوله ، يا عزيزى الشاب ، جدير بالنظر ، طلبك مقبول مُؤقتاً ، مُر للقائى غداً صباحاً .. من فضلك ..! أشكر لَك إهتمامك !
إنصرفت مُبتهِجَاً ، وأنا أُردد فى الطريق :
( إنتصرت ) !
وأضفت لنفسى :
( إنتصرت . حتى ولو لم أحظ بهذه الوظيفة ) !
كان هذا الشعور من دواعى ، إنتصار الخطة التى كانت (... ) (اللهم إحفظَك ... أيُّها الرَّجُل الكريم المجهول ) ..!
وعقد المسئولون فى المصنع إجتماعاً طارئاً ، فى نفس اليوم ، وبعد نِقاش إستمر طول الليل ، والإستماع إلى أراء الخبراء .. تبينوا صِحة ما قُلته ، وَعُيِّنتُ مُهندسَاً .
ما لبثت أن رقيت مُديراً لقسم تصدير البضائع ، وتم نقل المصنع ، بعيداً عن خطوط السكك الحديدية ، وصار ناجحاً ، وقادراً على مُنافسة المصانع الأُخرى ، المنتجة لشرائح السِّليكون .. فى كُل أنحاء العالم ...!
وفى كُل يوم ...
أثناء الذهاب والعودة ، من وإلى المصنع ، أتعمد الوقوف ، أمام الحديقة العامة ، وفى الأماكن العامة أيضاً ، وأُطيل النظر ، يميناً وشمالاً .. بحثاً عن شخص ما ..
أظنكم تعرفونه مثلى ..!
كُنت أود من كل قلبى ، أن أسدى شُكراٍ ، لهذا الشخص الكريم المجهول !
ولما لم أنجح فى العثور عليه ، قررت أن أُترجم مشاعر إمتنانى هذه إلى فِعل ، أو نصيحة مُخلصة ، كنصائح هذا الرجُل الطيب والكريم .. نصيحة أسديها إلى أى شاب ، يحتاج إليها .. ! شاب ضائع سابقاً ، مثلى ..!
هذه هى حكايتى ..!
ودوت القاعة الكُبرىَ بالتصفيق طويلاً ، تحية لهذا الفتى ، لمثابرته ووفائه !!
إنتهت

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق