خليل خبيراً
قصة للفتيان من 12 - 15
تأليف
كاتب الأطفال الكبير السيد القماحي
قرأ خليل إعلاناً فى الصحف يقول :
(
مطلوب خبير أشجار ، للعمل فى مطار )
وعندما
قرأ خليل ، تفاصيل الإعلان ، عرف أن العمل ، سيكون فى أحد مطارات دولة إفريقية مُتقدمة
.
وحين
عاد إلى البيت ، قال لوالده ، وكأنما يُلقى
لُغزاً :
- أبى
.. مطلوب خبير أشجار للعمل فى مطار ...!
فقال أبوه :
- وماذا فى ذلك ؟ .. هذا ليس عجباً
..
وكأنما إطمأن خليل لهذه الإجابة ، فقال :
- أبى .. ألست ترانى .. أنا ..
أولىََ بهذه الوظيفة .. فأنت تعلم مدىَ حُبى للأشجار .
فقال والده :
- نعم .. أكيد .. لكن مع حُبك
للأشجار ، ينبغى أن يكون لك حُباً آخر .
- حُباً آخر ! ماهو يا أبى ؟
- هو شىء يُميزك عن غيرك ، لتفوز
بهذه الوظيفة . فالحُب وحده لا يكفى .
- فهمت قصدك يا أبى ، ، تعنى
المعرفة بالأشجار ، والمعرفة عموماً بالعمل ، الذى توَد أن تعمله .. أليس هذا ما
تُريد قوله ، إطمئن .. يا أبى .. ولَدَىَّ
شىء آخر : ثقتى فى نفسى .
- إذن توكل على الله .. تقدم لهذه
الوظيفة ..!
.. وفى يوم المقابلة الشخصية ، فى
سفارة الدولة المعلِنة عن الوظيفة ، جلَس خليل أمام رجُلين يُناقِشانه ، بعد أن
سبق وقبلوا أوراقه ، التى تقدم بها للوظيفة ، من حيث المبدأ .
أظهر
الرجُلان له بشاشة فى بداية اللقاء ، بقصد ألا يشعُر بأنَّهُ أمام لجنة إمتحان
صارمة .
قال له أحدهما باسماً :
- عزيزى الشاب .. لو سألك سائِل ،
ما علاقة المطار ، والطائرات ، بالأشجار والغابات .. فماذا تقول له ؟
فقال
خليل ، وقد سَعِدَ فى سِره ، مُتصوراً أنَ الإجابة على هذا السؤال ، فى مُنتهى
السهولة !
- أقول ... إنها علاقة ضرورية ..
إذ يجب أن تحيط أشجار الغابة بنطاق المطار ، كما تُحيط الإسورة بمعصم اليد ، وكما
يُحيط العقد برقبة المرأة ..!
فابتسم الرجل وقال بخُُبث :
- تقصد أشجار الغابة ، يجب أن تحيط
بالمطار ، من أجل الزينة كما الإسورة فى المعصم والعُقد فى جيِد المرأة ؟!
- لا .. ليست الأشجار للزينة فقط ،
وإن كانت الأشجار بحد ذاتها هى زينة ، بل إنها ضرورة واجبة ، فعندما تتنفس الأشجار،
تنشُر حولها ( الأُكسجين ) ، تبثُّه فى مُحيطها ، فتنقى الهواء حولها ، وتُجدده ،
كما تقوم بإمتصاص ، غاز ثانى أكسيد الكربون ، السام الذى تنفثه الطائرات ، المحلقة
والهابطة ، فى أجواء المطار .
وسألهُ الرجُل الثانى فى ود :
- هذا الكلام جيد ، لكنه معروف لنا
جميعاً ، هذا دور الأشجار فعلاً ، لكن ما هو دورك أنت كخبير أشجار يعملُ فى المطار
؟!
- دورى أنا هو عدم السماح مُطلقاً
، بقطع شجرة واحدة من أشجار الغابة المحيطة بالمطار ، لأن الشجرة بلونها الأخضر نافع
ومُفيد ، ودورى أيضاً .. عدم السماح لشجرة ، أن ترتفع إلى حد مُعين .
فسأله مرة أخرى الرجُل الثانى ، مُتظاهراً
بالدهشة :
- لماذا ؟ .. لماذا لا تسمح بشجرة
أطول من إرتفاع مُعين ، ولشجرة أقصر من طول معين ؟
فقال خليل :
- الشجرة الأطول ، ليس خوفاً من
تهديدها للطائرات فقط ، بل خوفاً من تهديد الطائرات بضجيجها للطيور ، التى تبنى
أعشاشها فوق قمم هذه الأشجار ..!
فتظاهر الرجُل الأول بأنه يُصفق براحتيه ،
لهذه الإجابة ، ثم واصل الإستماع إلى خليل :
- لأنها طيور بريئة وحمايتها فى
رقبة الإنسان ..!
أما
عدم سماحى بأشجار ، أقل من إرتفاع مُعين ، فذلك ، لكى لا يُسبب إنخفاضها الشديد ،
الرُّعب فى قلوب الطيور الآمنة فى أعشاشها ، عند رؤيتها للفئران ، وهى تزَّحف على
الأرض ، خلال الليل والنهار ..!
فصفق الرجُل بيديه مرة أخرى تصفيقاً خفيفاً
، والتفت الرَّجُل الآخر ، وكأنه يهمس ، وقال :
- عندما
يحترم إمرء مشاعر طير ، فهو يخبر عن حقيقة نفسه الخيرة ، دون حاجة إلى كلام كثير
..!
فأومأ الرجل الآخر برأسه موافقاً ، وهو لا
يزال مُحتفظاً بصرامة وجهه ، ثم وجه هو سؤالاً إلى خليل :
- والآن
.. يا صديقى .. لماذا أنت إخترت العمل فى أفريقيا ، وليس فى أوروبا ، كما يتهافت
الكثير جداً من الشباب ؟
-
لأنى مصرى عربى إفريقى ، ولأنى أشعر بخوف على البيئة فى بلدى ، وفى وطنى الكبير
أفريقيا !
فقال الرجُل الأول لخليل مُنهياً هذه
المقابلة :
- شكراً لك .. تفضل وانتظر خطابنا
.
- أثناء إنصرافه .. لاحظ قبل خروجه
من السِّفارة العدد الكبير، الذى يجلس فى حُجرة الإستقبال ، من المتقدمين لهذه
الوظيفة . منهُم من هو أكبر سنا ، أو أكثر
وجاهة ، أوأجمل مظهراً ، ورُبما أكثر منه ثقافة وعِلمَاً .
وشعر بأنه ، رُبما لا يكون هو الذى سيقع
عليه الإختيار .
وتأكد له هذا الشعور كُلما مضىَ يوم وآخر ،
وأسبوع وآخر ، ولم يصلُه الخِطاب ، الذى وعدوا بإرساله إليه .
ووصلُه الخطاب أخيراً ، وفضُّه بلهفة ، وكَرر
قراءة هذه العبارة بالذات أكثر من مرة :
- ( مبروك .. تم إختيارك صديقاً للبيئة ، مع
تعيينك عضواً فى مجلس إدارة المطار ) !
إنتهت

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق