الثلاثاء، 17 يناير 2017

( امرأة لا تبيع ) _______ وليد.ع.العايش

( امرأة لا تبيع )
------------
السوق ينحني بكتفه على ضفة النهر ، بعض أغصان تتشابك بين شارع ترابي هرم وتطاول أبنية قرميدية ، ركن أبو فارس دراجته التراثية على طرف زاوية ، ولج إلى أزقة السوق بعينين حادتين ، كان المطر قد بدأ يرتدي ثوبه ، وصفعات البرق تنسج لوحة مزركشة مع قرميد وأغصان خضر . 
- ماذا تبيع يارجل ؟ 
- خضار منوعة ، ألا ترى ... 
رمقه البائع بنظرة مشبعة برائحة احتقار ، تابع الرجل مسيره بين سراديب سوق لم يدخله من قبل ، أمست حبات المطر تتساقط من لحيته البيضاء ، بينما كان قميصه الرث يبدل لونه كما حرباء في غابة متوحشة ، كان يفتش عن شيء ما ، عد نقوده أكثر من مرة ( تكفي ... تكفي ) قال لنفسه ، المطر أصبح أكثر سطوة ، الباعة يغتالون عرباتهم ، ضجيج السوق لم تنهكه أصداء الرعد ، جولة أخرى من التفتيش الذي أمسى أصعب منذ لحظات ، يسأل هذا ، ينهر ذاك ، يبتسم حينا ، يتجهم أحيانا أخرى ، أشعل فتيل سيجارته المهترئة ، نفث دخانها الممتزج بمطر مازال حاضرا ، ( أين أجدها ... ) ، لم يمتحنه اليأس حتى اللحظة ، لحيته مازالت تمطر ، انزوى إلى طرف حائط طيني ، ربما كان يبحث عن بعض الدفئ . 
- تعال إلى هنا يارجل . 
كان المتكلم بائع جوال بلغ عقده السابع ، وربما يزيد ، تململ أبو فارس قبل أن يتجه صوبه ، مسح رأسه بمنديله الأسود ، ولم ينس أن يمسح شفتيه . 
- ماذا تبيع يارجل ... 
- كل ما تريد ، ماطلبك ؟ ... 
صمت أبو فارس هذه المرة ، لم يرد البوح بمطلبه ، صعدت الكلمات لحنجرته أكثر من مرة ، ثم عادت أدراجها إلى أعماقه الأبدية . 
- لا شيء ، لا شيء ... 
أشاح عن البائع مقررا المغادرة ، أشعل آخر سيجاراته ، دارت الأفكار كما رحى طاحون ، المطر ينحسر بتأني ، بعض الباعة تركوا السوق لتوهم ، توقف عن التنفس ، نظر إلى البائع السبعيني الذي كان منشغلا بصف خضاره التي غسلها المطر ... 
- هيه ... انظر ، أبحث عن امرأة لا تبيع ... 
سقطت التفاحة الموردة من بين أصابع البائع ، ذهول انتاب أوصاله ، أبو فارس يمتطي سرج دراجته الأثرية ، وطرف عينه لم يفارق ذاك السبعيني يحترق بما سمع ، ( يريد امرأة لا تبيع ) ... ربما أصابه مس من الجنون ، على زاوية رصيف قريب كانت امرأة حبلى بالسنوات تصغي للحديث ، أومأت للبائع بصوت خافت : ( من الذي مسه الجنون ) ، طرقت حرف الرصيف بقدمها وغادرت ... 
_______
وليد.ع.العايش

15/1/2016م

ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

لمحات من أحد طواغيت التاريخ (ستالين) (الإله.. الذي أنكروه) - عزت عبد العزيز حجازي - من كتاب جبروت الطاغية وطغيان الحاشية)

¨   بعد أن أطلقوا عليه في حياته أسماء كثيرة، كادت أن ترفعه إلى مقام الآلهة أو الأنبياء.. فقد قالوا عنه أنه:(أحب شعبه؛ وأنه "ال...

المشاركات الشائعة أخر 7 أيام