الأحد، 9 أكتوبر 2016

4 × 6 - بقلم / د. نهاد إبراهيم من المجموعة القصصية "الكونت دى مونت شفيقه" الفائزة بجائزة اتحاد كتاب مصر لأفضل مجموعة قصصية عام 2012/2013

4 × 6
لم تكن يوما مثل غيرها من بنات حواء.. 
يبدو أنها كانت ابنتها المفضلة، أو ربما لم تنجب حواء غيرها.. 
لو وقفت الدنيا ذات يوم تنظر فى مرآتها، تبحث بين دفاترها عن وردة تزين بها شعرها المنسدل، فلن تجد غيرها تليق بمقامها الرفيع.. 
هكذا كانت أمها تقولها لها دائما. لم تكن أمها وحدها بل كل أقاربها وأصحابها وطوابير عشاقها، وزوجها الوحيد الذى اختارته وحده لتمنحه نفسها لأنه كان يستحقها. ليست مبالغة ولا يوجد ما يدعو للكذب والنفاق، ولماذا الكذب وهذه هى الحقيقة التى تعرفها هى عن نفسها وتصدقها..

كان هذا منذ زمن بعيد. منذ وفاة زوجها المفاجىء لم تعد تنظر فى المرآة. لم تتجاهلها كلها تماما، لكنها تتعامل معها الآن كعامل الكلاكيت الذى يحفظ مهمته جيدا ويؤديها كالآلة..<مشهد كذا.. أول مرة>. أما هى فتتطلع إلى المرآة الصغيرة وهى تقف بعيدا بحكم العادة وتقول فى نفسها.. <مشهد كذا.. أول وآخر مرة>.
ماذا كانت ترى فى هذه اللحظة الخاطفة؟ لا أحد يعرف.. ولا هى أيضا كانت تعرف.. كل ما تعرفه أنها كلما اشتاقت إلى نفسها، تأخذها روحها من يدها إلى ألبوم الذكريات تقلِّب صفحاته وتتقلب هى بين يديه. عائلتها.. زوجها.. ابنها الوحيد الذى سافر إلى الغرب ليستكمل دراسته العليا هناك. يقسِّم وقته بالكاد بين الدراسة والعمل، ولا تسعفه ظروفه لزيارتها منذ عامين..
<وحشتنى جدا>..
كلمتان اثنتان لا تغيرهما كلما شاهدت تهافت روحها إلى صفحة ألبومها أو على صفحة قلبها.
بعد شهرين سيحصل ابنها على شهادة الدكتوراه هناك.
<- أمى الحبيبة والوحيدة..
من كل قلبى أتمنى حضورك لتقفى بجانبى وأنا أتسلم شهادتى. وجودك هو وجودى. السعادة بلا شريك هى قمة التعاسة.>
ورطة ما بعدها ورطة.. فهى لم تجدد جواز السفر الذى انتهت صلاحيته منذ آخر مرة سافرت فيها مع زوجها؛ منذ خمسة عشر عاما. فى ذلك الوقت كان عمرها خمسة وثلاثين عاما بالتمام والكمال. نعم.. فقد تزوجت فى عمر مبكر قبل أن تكمل عامها الثانى والعشرين. لكن إذا كانت لا تجرؤ على النظر إلى نفسها فى المرآة، كيف تتحمل أن تذهب إلى المصوراتى ليلتقط لها صورة حديثة وهى فى أوائل الخمسينيات؟!! مشكلة سخيفة حسمتها هى منذ زمن بعيد.. فى المناسبات العائلية ذات الكاميرات المتلصصة إما تعتذر عن التصوير لأن الفلاش يتعب عينيها، أو تعتذر عن المناسبة من الأصل هربا من حصار كاميرات الفيديو. بطاقة عضوية النادى.. اعتادوا هناك على تكرار طبع صورتها القديمة، لم يعد أحد يهتم بسؤالها ولا أحد يجرؤ على إزعاجها أبدا. أصدقاؤها.. قليلون جدا وغالبا ما تكتفى بالتليفونات التلغرافية. بطاقة الرقم القومى الجديدة.. عندما يقررون عدم صلاحية البطاقة القديمة نهائيا، ستجد حلا بالتأكيد لهذه المسألة التى ستحدث بعد عدة شهور أو سنوات؛ فتدابير الله لن يجف بئرها يوما..
لم تتغير هى كثيرا.. من قال إنها فقدت جمالها؟!! مستحيل.. جمال روحها لا يشيخ أبدا. لم تكره أحدا طوال عمرها، ملكة فى نفسها لكن بدون أن تتعامل مع غيرها على أنهم الرعية المتدنية. طوابير معجبيها وعشاقها زادت أكثر بعد الزواج، وتنوعت نوعية الإلحاح عليها بشكل ما بعد فراق حبيبها. قلبها قطرة ندى ولد فى هذه الدنيا ليحيى كل من حوله. كانت ومازالت أيام الدنيا سعيدة بوجودها، إنها تؤنس وحشتها وتشعرها أنها بخير، فكافأتها أيام الدنيا بلطشة فرشاة خفيفة تحت عينيها فقط لتتذكرها، دون أن تمد أظافرها الطويلة وتخطط الوجنتين وتنحل أعواد الرقبة. تريد الدنيا الاحتفاظ بها جميلة، فتركتها إلى حال سبيلها بأدب ولم تمارس معها شقاوتها، ولا شطحات جنون الفن السريالى الذى تمارسه على الوجوه والأجساد. أما هى فلم تسامح الدنيا أبدا على اختطافها زوجها منها فى عز شبابه.. فى عز حبه لها وحبها له..
خاصمتها عندما خاصمت روحها وفضت يدها من اللعب معها. لم تتحمل هى فكرة انفلات الزمن أمام عينيها، فقررت أن تجمده هى بمعرفتها. لن تكون أبدا فى موقف رد الفعل المهزوم مرة أخرى.
<- أمى الحبيبة والوحيدة..
أريد أن أقدم إلى العالم نفرتيتى جميلة الجميلات، وأخرج لسانى أغيظ خطيبتى الأجنبية الشقراء. تصورى قالت لى يوما إننى لن أجد فى الدنيا أحلى منها، وهى لا تدرى أننى أعيش مع المادة الخام للحلاوة نفسها.
أرجوك يا أمى..
ابنك الوحيد>
<لم يذكر هو أية نفرتيتى يقصد، قبل الحادث أم بعده؟!!>
أربع ساعات ويزيد وقفتهم هى متسمرة أمام محل المصوراتى، وهى لا تدرى أبدا ماذا تفعل؟!! أشكال وألوان يدخلون ويخرجون وهى تقف كالمانيكان الهاربة من وراء زجاج الفاترينة. قمة فى الأناقة والجمال، آه لو انتبهت إلى كم المعاكسات التى تنهال عليها من المارين وعابرى السبيل لغيرت رأيها على الفور. لكن مشكلة المانيكان أن كل الناس تراها وهى لا ترى نفسها!
أخذت بعضها وذهبت. ذهبت دون أن تدخل المحل. فكرت أن تخترع حلا بديلا ربما يكون منقذها من الغرق. ذهبت إلى موظف الجوازات المختص وقدمت له كل الأوراق. اصطحبت معها صورة كبيرة لها وحدها، استعارتها من البرواز المتوسط بجانب فراشها الفارغ وطبعت منها نسخة.
وصل الموظف الدقيق إلى الصورة وأطال النظر إليها. نسى نفسه ووقته وصمت تماما وكأن القطة ابتلعت لسانه. سكت.. فسكتت. أخيرا أعادت له القطة لسانه ونطق جملة واحدة ..
<- المطلوب صورة جديدة 4 × 6
- لكن هذه أكبر وأفضل..
- المطلوب 3 صور جديدة 4 × 6>
أيام مضت وعادت لتقدم إليه نسخة من صورة زفافها الضخمة مع زوجها يوم كانت فى قمة أنوثتها.
<- قص منها ما تشاء..>
هذه المرة قطتان كبيرتان ابتلعتا كل لسان الأخ الموظف وتوابعه.. وبعد زوال الصدمة الغادرة ثبّت الرجل العجوز نظره عليها طويلا، وقال لها بصبر منهك..
<- المطلوب صورة جديدة 4 × 6
- يا حضرة..
- 4 × 6!>
أسبوعان وعادت إليه تحمل ألبوم الصور كله كى يختار بنفسه ما يشاء، حتى ترضى الحكومة عنها وتستخرج لها جواز السفر..
هذه المرة حديقة القطط كلها ابتلعت فمه هو وكل زملائه الموظفين، الذين تجمهروا من حوله فى مظاهرة سلمية صامتة، وزادت تفاعلاتهم مع الموقف بوضوح عندما جاء الدور على صفحات صور البلاچ الساخنة..
شخصيا استضافها المدير فى مكتبه! حواديت ومحاولات ملاطفة فى الطريق ثم ختم على أحلامها بالشمع الأحمر..
<- يا هانم.. المطلوب صورة جديدة 4 × 6!!!!!!!!!!!!!!!!!>
جلست هى فى الحديقة المفتوحة أسفل مُجمّع التحرير، تتأمل ما يحدث لها وقد أعيتها الحيل الفاشلة.. تحت لهيب شمس القاهرة الحارقة تركت عينيها فى اتجاه واحد وقتا طويلا دون أن تشعر. أفاقت فجأة على رائحة غريبة بداخلها، فوجدت رجلا.. يشبه زوجها.. يبعث إليها بابتسامة تحمل دعوة كريمة للأمان. هل كان يجلس بجانبها منذ زمن؟؟ كل ما تعرفه أن نسمة هواء باردة لمست روحها فجأة ورطبتها..
عدة أيام وكانت تأخذ دورها فى الطابور لتتسلم جواز سفرها الجديد. لسبب ما تلفتت برأسها وهى تجلس على نفس المقعد فى الحديقة المفتوحة. نفس الرجل يرسل إليها ابتسامته التى تفتح لها يديها الطيبة.
كلاكيت ثانى مرة.. منذ سنوات بعيدة لم تتوقف هى أمام نفس المشهد مرتين.
تركته وذهبت لتستعد..
من خلفها كان الرجل مازال يرسل ابتسامته للفتاة التى كانت تجلس خلفها فى المرتين..
<- ابنى الوحيد..
انتظرنى..
إمضاء: نفرتيتى>
************************
بقلم / د. نهاد إبراهيم
من المجموعة القصصية "الكونت دى مونت شفيقه" الفائزة بجائزة اتحاد كتاب مصر لأفضل مجموعة قصصية عام 2012/2013

ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

لمحات من أحد طواغيت التاريخ (ستالين) (الإله.. الذي أنكروه) - عزت عبد العزيز حجازي - من كتاب جبروت الطاغية وطغيان الحاشية)

¨   بعد أن أطلقوا عليه في حياته أسماء كثيرة، كادت أن ترفعه إلى مقام الآلهة أو الأنبياء.. فقد قالوا عنه أنه:(أحب شعبه؛ وأنه "ال...

المشاركات الشائعة أخر 7 أيام