"الصديقان"
..مهلاً أيّها القارئ اللبيب..فأنت الآن على موعد مع أنشودةٍ عذبة من العلاقات الٱنسانية الرّاقية والتي أرجو أن يتفتّح لها قلبك ويصغي لها إحساسك لتستشعر معي هذا النّوع النّادر من العلاقات الإنسانيّة؛ ولتعلم أن منها مايتخطّى حاجز الزّمان والمكان ،بل و منها مايبلغ من الصّفاء الٱنساني والرّقي الفكري والنّضج العاطفي مايحتار معها العقل ويذوب في أركانها الوجدان..إنّ أبطال قصتنا من ذلك النّوع الٱنساني النّادر والّذي علَّمتهُ الأيام أنّ السّعادة الحقيقية تكمن في العطاء، وأنّ من أعظم مواطن المتعة واللّذة تلك الّتي تتولّد من التّضحية والإيثار.
كان هشام ومحمود صديقان قلّما يفترقان؛ تفتّحت عيونهما البريئة ليرى كلُّ منهما في الآخر قرينه وشقيق روحه وكانا يقطنان منزلين متقابلين وقد ساعد على تقاربهما أنّ كلَّ منهما وحيد أسرته من الذكور ممّا جعل كلُّ منهما يستشعر طعم الاخوّة المفقودة في الآخر.
تميّز هشام برهافة الحس وسرعة الإنفعال على عكس صديقه والّذي تميّز بهدوء الطّبع؛ ولعلّ هذا الإختلاف النسبي كان سبباً في جذب كلٌّ منهما للآخر وكأنّه يستمد منه ماافتقده في نفسه.
مضت سنوات الطفولة بين جدٍّ واجتهاد تارة ولهوٍ وفرح تارة شأنهما في ذلك شأن معظم الأطفال في هذه المرحلة السنّية؛ومع الأيام توطّدت أواصر الصّداقة بينهما واشتد عودها حتّى أضحى كلُّ منهما لايطيق فراق صاحبه، وحين اجتازا معاً المرحلة الاعدادية آثر محمود الالتحاق بالثّانوي الصّناعي فيم فضّل صديقه الالتحاق بالثّانوي العام؛ ومن المواقف الطريفة ذلك الّذي حدث في المدرسة الصناعية؛ فقد دعا محمود صديقه ليمضيا معاً يوماً دراسياً، وأثناء تواجدهما خارج الفصل رآهما أحد المدرسين وقد نجح محمود في الولوج سريعاً داخل الفصل بينهما تلقّى هشام صفعةً قوية كتم على أثرها غيظه وذلك حتّى لاينكشف أمرهما فيتعرّض صديقه للأذى، واجتازا سويّاً تلك المرحلة ليلتحق هشام بالجامعة وليتجه صديقه إلى العمل بإحدى شركات الملاحة حيثُ كان تخصصه يتعلّق بماكينة البواخر؛ وكان عمله يتطلب السفر من آن لآخر وبقي هشام في جامعته في انتظار لقائهِ بصديقه فور عودته ولم يؤثر ذلك على علاقتهما بل توطّدت عن ذي قبل.
أمرٌ واحد كان يؤرق حياة الصّديقين ذلك أنّه في السنوات الأخيرة ومع قدوم ليالي الشتاء الباردة كان محمود يعاني بعض آلام الكلى ممّا يجعله يعزف عن الخروج للتنزه بصحبة هشام؛ وفي أحد أيام هذا الفصل من شهر ديسمبر كانت أسرة هشام على موعد مع عقد قران شقيقته ، وقد حضر الحفل لفيف من الأهل والجيران والأصدقاء وحضر محمود مرتدياً حلّة جديدة كانت أكثر من رائعة حتّى بدا وكأنّه هو العريس وقال مداعباً والدة هشام: مارأيك ياأمّي!؛
أجابت مبتسمة: عريس تتمنّاه أي عروس؛ فأردف وعلامات السّعادة تشع من عينيه :قريباً ياأمّي سأعلن نبأ خطوبتي فقد وفقني الله لاختيار إنسانة جميلة ورقيقة سوف تسعدين بها.
انقضى الحفل وبدأ المدعوون في الانصراف بينما بقي محمود مع الأسرة حتّى إذا ماهدأت الأمور نسبياً قال مخاطباً والدة هشام: رأيتُ رؤيا وأريد أن أقصّها عليكِ! رأيتُ أنّني أسير في طريق تحفّهُ الأشجار من الجانبين ثمّ فجأة رأيتُ أمامي قصراً رائعاً فيه من أنواع الزّهور مايأخذ بمجامع القلوب وبينما أتأمله مأخوذاً وإذ بحارسه يخاطبني قائلاً: هل أعجبك؟ قلتُ : نعم بالتأكيد! فقال: هو لك..قلت وقد غمرني شعور بالسّعادة: ٱذن إعطني مفتاحه! فقال وهو ينصرف مبتعداً: لا لم يحن الموعد بعد!
أنصتت الأم بإهتمام بالغ وكأنّها استشفت شيئاً ما ثمّ بادرتهُ وعلى ثغرها ابتسامة مصطنعة:إنّها رؤيا رائعة سيحدث لك من خلالها خيراً كثيراً بإذن الله.
مضت بعضُ الأيّام لم يلتقِ خلالها الصّديقان وكانت أسرة محمود قد انتقلت لمنزل آخر يبعد نسبيّاً عن أسر ة هشام، لذا سارع هشام لزيارة صديقه وقد صاحبه شعورٌ بالقلق؛ وحين وصل إلى منزل محمود كانت المفاجأة الحزينة، لقد رأى صديقه طريح الفراش يقاسي آلاماً حادة بالكِلى..استبد الحزن والقلق بهشام؛ لم يتوقع أن يرى صديقه في هذا المشهد المؤلم.وفي اليوم التالي اصطحب هشام بعض الأصدقاء وذهبوا لزيارة محمود؛وبينما هم يحيطون به يداعبونه للتخفيف من آلامه وإذ بمحمود يشير لهشام أن اقترب، وحين دنا منه نظر إليه نظرة مفعمة بالحزن والأسى وقال بصوت حزين تخنقه العَبرات: أوصيك بأسرتي ياهشام، ولم يستطع هشام أن يكتم عَبراته رغم محاولته التماسك..فعاد محمود يخاطبه بلهجة عاتبة: ظننتك رجلاً يُعتمد عليه.
عاد هشام إلى منزله شريداً محطَّم الخطوات وراح يبتهل إلى ربه ابتهال البائس المسكين أن يعجِّل بشفاء صديقه؛ وبعد أيـام قليلة قررت أسرة محمود نقله إلى المشفى لمزيد من الرعاية الطبية؛ وهناك قرر الأطباء إلحاقه بغرفة العناية المركزة..لقد كان المسكين في حاجة ماسّة لغسيل كِلى يومياً تجنباً لارتفاع نسبة السموم بالدم؛ وبمرور الوقت ازدادت الحالة سوءاً ، وشعر هشام بأنّ صديقه في خطر حقيقي وكان لايكاد يفارقه إلا قليلا ؛وبعد مرور بعض الأيام دون جدوى قرر الأطباء نقله إلى مشفى المعادي وذلك لٱجراء عملية زرع كلية له، وعلم هشام أنّ صديقه يعيش بربع كِلية فقط فبكى بكاءاً شديداً وبلغ به الحزن مداه ولكنّه قرر أن يبقى إلى جواره للنهاية .
سافر هشام بصحبة محمود وشقيقته فاتن إلى القاهرة
بالمشفى أجرى الأطباء الفحوصات اللازمة وبقي السؤال الصّعب..من عساه أن يجازف ويتبرع بإحدى كِليتيه لٱنقاذ محمود من شبح الموت؛ وجاءت الإجابة سريعاً من هشام حيثُ قرر أن يكون هو المتبرع وذلك وسط دهشة الطبيب المعالج !ووافق هشام على التوقيع على إقرار بذلك ، وبعد إجراء الفحوصات تبين عدم صلاحية هشام للتبرع لإختلاف فصيلة الدم ووقع الإختيار على فاتن وقرر الأطباء أن يكون ذلك بعد عشرة أيام وذلك لمحاولة تقليل نسبة السموم في دم المريض.وفي مساء اليوم السابق لموعد اجراء العملية حلّق طائر الحزن فوق منزل أسرة محمود وراح يشدو لحناً حزيناً تلتاع له القلوب وتهتز له المشاعر؛ فقد اتصلت إدارة المشفى تخبرهم أنّ كلّ شئٍ قد انتهى...
ياإلهي..! بضع ساعات وتُجرى العملية..ولكن كان للأقدار كلمتها
مضى هشام إلى منزل صديقه ورفيق دربه وهو في ذهول..لايكاد صدّق ماحدث، راح شريط الذكريات يدور أمام عينيه فيحرّك في قلبه بواعث الإشتياق ويشعل في صدره نيران الإفتراق؛ وتراءى في خياله محمود يرفل في حُلّته الجديدة وهو يقص على أمّهِ تلك الرؤيا العجيبة..
راح يخاطب صديقه بكلمات تخنقها العَبَرات: لعلك الآن إستلمت مفاتيح قصرك يارفيقي وشقيق روحي.
وماأن وصل إلى منزل صديقه حتى وجد الأحزان تلقي بظلالها على المكان، ووجد أم محمود في جمعٍ من النساء ينتحبن وهي تعظهنَّ وتصبرهنَّ..أي إيمانٍ هذا الذي افترش قلبك واتسع له صدرك أيتها الأم العظيمة؛ راحت تعظ النساء وهي المكلومة في وحيدها، وحين أبصرت هشام طفقت تخاطبه وهي تعالج عبراتها برداء الصبر: إياكَ ان تبكي أخاك ياهشام..ألم يخبرك عن عرسه القريب؟!..لقد آثر أن يكون عرسه في السماء مع عروسه من الحور العين..هكذا راحت أم محمود تخاطب هشام وهو شارد الفكر زائغ النظرات مشتت الخاطر تتنازعه أيادي الحزن وتئن في صدره الحسرات.
ووجد نفسه يردد قول القائل: ليس الصّديق الذي يُشاطرك السّرّاء والضّرّاء والمنشط والمكره..ولكنّ الصّديق الذي إذا مات أحسست أن شيئاً داخلك قد مات.......وقد كان.
بقلم..أحمدسعيد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق