ظن
|
القاصد الغريب أن مفتاح زنزانة
أحلامه –أيّ أحلام- بيد الشيخ (وحّوَّحْ)؛ (مطفش) الجن والعفاريت من أجساد الملبوسين
والممسوسين؛ مفكك الأعمال السفلية السوداء للسحرة؛ المجبولين على عصيان أمر الله
المُقيم في شئون عباده الصالحين؛ وهناك؛ لم يلق مشقة في العثور على عنوانه البعيد؛
فسمعته كالطبل كما يقولون؛ له شهرة؛ ولأمره ذيوع؛ ولأخباره اتصال بعموم الكنانة؛
لسعي القُصاد إليه؛ وأصحاب المسألة من كل فج؛ فهو مُراد الطالبين؛ ونهاية مقصد
الساعين؛ وصحيح أنه مُعمر؛ طاعن في السن؛ لكنه يبدو صحيح البنيََة؛ غير ذي علَّة؛
يتبع نظاماً غذائياً غريباً؛ إذ يتناول في إفطاره حبة ثوم؛ ونصف كيلو بصل مشوي؛
وفي الغداء طبق خضار مسلوقاً؛ وفي العشاء كوباً من عصير التوت البرِّي. لا يقرب
اللحم؛ أو البيض؛ أي شئ حيّ يمِت إلى البر؛ أو البحر؛ يغطي رأسه بطاقية من صوف
الغنم المغزول يدوياً؛ ويتمدد فوق لوح خشبي مغطى بملاءة رقيقة؛ ثم يروح في سبات
عميق؛ لا يوقظه منه قرع الطبول؛ وفي الصباح الباكر -قبل إطلالة الشمس؛ يُرَى في
الغيطان الفسيحة -المُحيطة بالقرية كثيرة الحرث واللبن- ماشياً لمدة ساعة. الدلائل
تشير إلى عنفوانه؛ وأنه سيتجاوز المائة؛ إنه الشقيق الأصغر لسبعة ذكور؛ عاش أقلهم
مائة وعشرين سنة؛ وقبالة باب دهليز بيته الريفي –الكبير؛ حسن البناء في قبلي
القرية الهادئة- يتجمهر–كل يوم- الرهط المُستكين من كل حدب وصوب؛ يفرش أعتابه
الميمونة؛ يحدوه أمل الشفاء؛ الفوز بالبرطمان الزجاجي المسحور؛ المملوء بمنقوع عشب
الحنتيت؛ زيت الزيتون؛ زيت حبة البركة؛ دم الغزال؛ المسك؛ العنبر؛ الزعفران؛
المستكة؛ بودرة عين العفريت؛ الشبَّه؛ الفاسوخة؛ عصعوص عُرف الديك الشركسي؛ وتحت هدوء
متكاثف؛ ثقيل -والهدوء حين يتكاثف ويستتب يصبح شيئاً مروعاً- يحتوي القاصد الغريب -على
البُعد؛ من خُن الغرفة المنعزلة- وقع دفوف وطبول؛ يزداد شيئاً فشيئاً؛ فتزداد
صرخات؛ تأوهات؛ غنج؛ شخير؛ نسوة من كل الأعمار؛ مخلوطة بصوت أجش يُنشد:(سُلطان
الجن الأحمر؛ والغايب هِنا يحضَر؛ يِحضَر معانا؛ ويلبس احمر في احمر؛ يا للا
السماح يا سيَادي؛ يا للا الهُدى؛ إبن الحلال يا سيادي علية الهُدىَ)!.
بجسد نحيل يحمل وجهاً شمعياً بعيون ذابلة
مفعمة بالسلام؛ وبلهفة المستجير؛ يميل القاصد الغريب على أذن جاره الريفي
المُعمَّم؛ المكوم فوق فرشة (الموكيت) الخضراء للقاعة الفسيحة؛ المشغية بالوجوه
المدهوشة؛ البلهاء؛ والتي أرخيت على أبوابها –وكواتها- ستائر من المخرمات الدقيقة
الصنع؛ الجميلة الزخرفة: ألا تلاحظ معي أن كل النسوة –بالداخل- يتأوهن ويصرخن
بأصوات ناعمة فقط؟!.
بدا وجه
المُعمَّم نحاسياً أسمراً؛ ورموشه صفراء طويلة؛ واللاسة -التي تعمَّم بها- من حرير؛
وجلبابه أزرق من الصوف؛ ينتهي بياقة مسدودة تحيط برقبته؛ وأكمام طويلة؛ مثنية؛ وله
سروال.
يرد المُعمَّم بالتفاتة مدمجة بالبلاهه؛
وهو يتفرس –بسهولة- في وجه القاصد الغريب؛ وفي الوجوه المجهدة: وما الضير في ذلك
يا ولدي؟!.
-لا شئ؛ ولكن؛ هل من المعقول أن كل النسوة؛ لا
يتلبسهن سوى الجنيَّات فقط؛ أين الجن؟!.
بانتباهة: غير معقول؛ ولكن؛
إن كان الأمر كذلك؛ فالجن عنده حق؛ فكل النسوة لا يأت من ورائهن إلا وجع القلب؛
إسالني أنا!.
بلعثمة: بالمناسبة؛ يبدو -والله أعلم- أن الفأر قد بدأ يلعب في (عبِّي)؛
هيا ننصرف من هنا؛ نفلت بجلدنا؛ ورزقي ورزقك على الله!.
ينتفض المُعمَّم بالركن القصي؛ يقترب بحذر؛ يهمس: يا إبني؛ إن دخول الحمام
ليس مثل الخروج منه؛ إنسىَ؛ عفاريت الشيخ المبروك؛ حراس العتبة الخضراء؛ أغلقوا
الأبواب -من الخارج والداخل- بالمتاريس والترابيس والأقفال؛ ويا ويله؛ يا سواد
ليله؛ من يخرج بدون إذن مولانا!.
يعوج وجهه؛ ويسبل جفنيه؛ وبذعر: ماذا
تقصُد؟!.
-أقصد أن الشيخ المبروك مخاوي؛ وبه
شئ لله؛ ومكشوف عنه الحجاب؛ وأماراتُه من الكثرة بمكان؛ بحيث بلغت بلاد واق
الواق!.
بانتباهة أشد: يا سلام؛ وما تلك الأمارات
يا سيدي؟!.
يزداد التصاقاً؛ وبلمعة من عينيه الضيقتين؛
وبلهجة مضغوطة: بأمارة (التعريفه) التي ثقبها؛ والبحر الذي رصفُه؛ والسماء التي
زرعها بالتفاح؛ وقنديل أم هاشم الذي أناره بالكهرباء؛ والفيل الذي صرُّه في منديل؛
والقصور التي شيدها في الهواء؛ وسجادة الصلاه التي فرشها بالدُعاء!.
يوسع من عينيه: يا سلام؛ يا سلام؟!.
-ليس هذا فقط؛ بل هو –أيضاً- الذي
ألبس البومه نظارة؛ والذئب كمامه؛ والأسد طرحه؛ وعُرف الديك برنيطه؛ والبغبغان
جاكته؛ والغزالة ميني جيب؛ والزرافة مايوه؛ ووحيد القرن بذلة رقص!.
بحماس؛ وابتسامة جانبية: ياااه؛ كُل هذا؛
يبدو أنه شيخ مبروك بحق؛ أرجوك أن تزيدني من نفحاته؛ ومعجزاته؛ وكراماته!.
يُعدِّل من عمامته؛ ثم: وفوق كل هذا –وذاك-
صنع من الحدائة يمامة؛ ومن الأسد أرنب؛ وحلب الثور لبن كامل الدسم؛ وقص شعر
(شمشون) على (الزيرو)؛ وعزم (سالومي) على صينية عشاء من غير (المعمدان)؛ وصنع من
الجن الأحمر بهلوان!.
يفنجل من عينيه أكثر؛ وبحروف متكئة: يكفي هذا يا عم الشيخ؛ يكفي هذا؛
وادعو معي أن يجعل كلامنا خفيفاً عليه؛ وعلى عفاريته؛ لكن؛ أستحلفك بالله أن تطلب
من شيخك المبروك هذا أن يصنع ما هو نافع للناس؛ فقد يناله ثواب من الله؛ ودعوات
تقعد لُه!.
بعدة إيماءات من رأسه: لا تستعجل على رزقك
يا فتى؛ فالشيخ المبروك ينوي -والنية لله-
أن يصنع لنا مُعجزة أكبر من كل مُعجزاته وكراماته السابقة!.
بشغف طفولي: كيف؛ كيف؟!.
كمن يبتلع كلماته: ينوي -والنية لله؛ وبعون
عفاريته الزرقاء؛ والحمراء؛ والخضراء؛ والفوشياء- أن يرخص لنا اللحم بكل أصنافه؛
والسكن والمواصلات؛ والذي منه؛ ويبيض رغيف العيش؛ ويردم البلاليع والنُقر في
الشوارع؛ ويصنع مطبات صناعية على حسب المواصفات العالمية؛ ويبني المدارس؛ والمصانع؛
والمُستشفيات؛ ويستصلح الأراضي؛ ويمنحها للعاطلين من أمثالك؛ كما ينوي -والنية لله-
أن يقضي قضاءاً مُبرماً على الرشوه؛ والمحسوبيه؛ والدروس الخصوصية؛ إلى آخره؛.
يصمت لبرهة؛ ثم بوشوشة: كما ينوي –أيضاً-
أن يحل كل المشاكل الباقية (من طق طق لسلامو عليكم)؛ أتصدق هذا؟!.
بدهشة بالغة -وبشاشة وجه- يميل على أذن
المُعمَّم الغامض: والله؛ ثم والله؛ ثم
والله؛ وبعقد الهاء؛ إن حدث هذا؛ سأبصم بالعشرة -وأعلنها من فوق أعلى منبر- بأن
شيخك المبروك هذا -ولا شك- مكشوفا عنه الحجاب؛ بحق؛ وبه شئ لله؛ ولا ريب؛ فما لنا
والبحر الذي رصفُه؛ أو البومه التي ألبسها نظارة؛ أو حتى ألبسها في قطار من
إياهم؟!.
بابتسامة خفيفه: عندك حق يا ولدي؛ عندك حق؛
وبالمناسبة؛ الشيخ المبروك ينوي –أيضاً- أن يفرح البلاد –والعباد- بالديمقراطية
التي يتغنون بها ليل نهار؛ أتصدق هذا؟!.
بحروف هامسة؛ راقصة: لا؛ لا؛ قل كلام غير هذا يا عم الشيخ؛ فوالله؛ ثم
والله؛ ثم والله؛ وبعقد الهاء؛ إن حدث هذا؛ ستصبح الحياة –أخيراً- بطعم ولون وعطر
الياسمين؛ والناس سوف تعيش -ما بقى لها من أيام- تحت شمس ديمقراطيه؛ كُنا قد ظننا
أنها والعنقاء -أو الخل الوفي- سواء بسواء!.
ثم في انفعاله: وماذا بعد يا عم الطيب؛
ماذا بعد؛ هل هناك شئ آخر؟!.
يُوسع من عينيه المغبشتين؛ وباستداره
بطيئة من رأسه الضخم: لا؛ لا؛ يكفي عليك هذا يا فتي؛ لا تطمع في المزيد؛ آذان
الظهر يقترب؛ ثم أنني غير مسموح لي بالتكلم معك أكثر!.
كمن يريد أن يجري عملية تصفية لكلماته: لكن؛
قل لي -بالله عليك يا عم الشيخ- من أين علمت بأنني عاطل؛ ولا أملك قوت يومي؛ رغم
حصولي على أفخر الشهادات؛ لا أفخر الثياب؟!.
بابتسامة باهته من جانب فمه: وهل الأمر يحتاج إلى فراسة يا فتي؟!. فيكفي
وجودك معنا كي نستبين!.
ثم بنصف انتصابة: قم؛ قم؛ يا ذكي؛ كي نتوضأ؛ ولا تنس
أن تدعو في صلاتك لمولانا الله يخليه!.
قبيل أذان الظهر؛ يتتالي ولوج المحمولات
على الأعناق؛ عرايا؛ أو شبه عرايا؛ أبكار؛ وغير أبكاار؛ فيتتالى وقع مشاهد الغرابة
على الوجوه المشرئبة بأعناقها لباب الغرفة الدوار؛ المحتشد بالغاديات؛ الرائحات؛
المائلات؛ المميلات؛ والمنصرفات تباعاً؛ وفي إثر ذلك؛ يؤدي الرجال الصلاة جماعة؛
ثم يعلو النداء –المبحوح- من الشيخ المبروك؛ الوقور؛ المهيب؛ الأكحل؛ ذي الجلباب
الأبيض؛ والعباءة السوداء -ذات الأكمام الطويلة- الموشاة بالقصب؛ بالديباج؛ بدوائر
السبح الملونة؛ بكفوف خمسة وخميسة؛ بحبات الخرز الأزرق والأحمر الكهرمان؛ ويتبع
النداء -في الحال- طاعة الرجال لأمر التحولق الصفِّي على البساط الأحمر؛ المواجه
لركن الشيخ المبروك؛ المصنوع من اللبد الأبيض المبطن بالحرير الموشى؛ على مدخله -من
جهة مائدة ضمت إلى اللحم المجفف واللبن في أوعيته- صنوفاً من الفاكهة؛ ومن جهة
أخرى منصة عالية عليها البُسط والوسائد قد هيئت لجلوس الشيخ الذي ما إن ينعقد له
المجلس -وسط حلقات دخان أعواد البخور الحبشي؛ فواح عطور البرابرة من الشند
والقرنفل- بإشارة من قبضة يده –المخلبية- يتمطي المُعمَّم الغامض؛ برداءه الأزرق
المهندَّم؛ شاربه الأسود؛ الكث؛ لحيته الطويلة؛ الهيش؛ زاحفاً من أول الرصة؛ وبنصف
انتصابة كلبية؛ عينين حمراوتين؛ ينقض الشيح المبروك بـ(كرباجه) المجدول؛ الغطيس؛
يطبق علي مفاصل أنامل المُعمَّم الغامض؛ المتأوه بالتواءة التسليم؛ نافثاً في وجهه
الممتعض –الممصوص- حمم تمتماته الماجنة؛ أسئلته الفجة؛ العابثة بالغمز؛ باللمز؛
بعُهر اللفتات الموحية: حامل في كم شهر يا بِنت؟!.
ينفجر المُعمَّم في عويل مُفجع؛ يرتمي على
البساط؛ يخبط رأسه في الأرض؛ يرتعد فاقداً الوعي؛ يتلوى كأنة في قبضة جلاد يسوطه؛
ويعذبة؛ ثم يزعق بصوت مخنث؛ مخنوق: آاااه؛ الرحمه يا عم الشيخ!.
ثم بوشوشة ناعمه؛ تسنطيل لها
الأعناق: لماذا يا سيد الناس (هه)؟!. أنا إمرأة؛ لا بنت!.
بغلظة: إذن أجيبي يا امرأة؛ ولا داعي
للمراوغة؛ حامل في كم شهر؟!.
المعمم بهدوء ولين مريبين: والختمه
الشريفه حامل في شهرين؛ هل استرحت؟!.
-وهل الدورة تأت في الميعاد؛ أم لا
تأت في الميعاد؛ أم لا تأت من أصله؟!.
بتأفف: إطمئن؛ والختمه الشريفه تأت في
الميعاد؟!.
-وما هو إسمك؟!.
-إسمي خضره الشريفه!.
بقهقهة موتورة: ما شاء الله؛ ما شاء الله؛
إسم النبي حرصِّك؛ وأيضاً خضره الشريفه؟!. وما هي طلباتك يا خضره الشريفه؛
العفيفه؟!.
بإيجاز كالعناوين: الصُّلح!.
بسخرية: ولم لا؟!, ولم لا؟؛ فالصُلح خير؛
على راي واحدة من أهل المغنى؛ لا أذكر إسمها؛ شئ آخر يا امرأة؛ شئ آخر؟!.
-نعم؛ تتركني –وشأني- حتى
الولادة!.
-وبعد الولادة؟!.
-ساخرج منة؛ ولكن؛ بشرط!.
-وما شرط الهانم؟!. أجيبي
بسرعه؛ وإلاااا؛.
-يستحمي بدم (قرموط) حي كل
يوم جمعه قبل الصلاة؛ ويرتدي خاتم ذهب منقوش علية اسمي في بنصر يده اليسرى؛ ويدهن
جسمه -كل ليله- من برطمانك المسحور؛ ولمدة
سنه كامله؛ لا تنقُص يوم!.
يفغر فاهه عن ابتسامة صفراء يابسة؛ يجوب
ببصره بين الوجوه المدهوشة؛ الباهتة؛ البلهاء؛ ثم:طلباتك مُجابة يا ست خضره
الشريفه؛ العفيفه؛ شئ آخر؟!.
بدلال مُثير: لا حرمنا الله من عطفك يا
سُلطان الجن!.
بترديد بعض التمتمات الغامضة في أذن
المُعمَّم اليسرى؛ ينفض الشيخ يده منه؛ يجول ببصره بين الوجوه المكفهرة؛ الشاخصة
بأعناقها؛ وبلهجة آمره: قم يا ولد؛ إنتهىَ؛ إذهب ولا تنسى الدفع؛ وأخذ برطمانك
المسحور؛ تدهن منه جسدك كل ليله؛ وتأتيني بعد شهرين لإبلاغك بباقي طلبات ستك خضرة
الشريفة؛ العفيفة!.
يتململ الحضور؛ تنكسر النظرات؛ تميل
الأعناق؛ تمتد الأيدي الواجفة فوق البطون؛ تُرج القاعة بهستيريا همهمات –وقهقهات-
الشيخ المبروك؛ قبل أن يصرخ في الوجوه المدهوشة؛ البلهاء:(لا تخشوا شيئاً؛ لا
تخشوا شيئاً؛ سليمه إنشاء الله)!؛ ثم بصوت أجش؛ مخيف؛ وعينين مزرورتين؛ وشفتين
منفرجتين؛ وهو ينفض دماغه نفضة هائلة؛ يوغل في شفق كابي؛ يشير إلى أحدهم بنظرة –حديد-
كأنها لرسول مؤمن برسالته إلى حد الجنون؛ والبطش:(أنت؛ وإياك؛ إياك؛ أن تبطئ بالقدوم)؟!.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق