حملت أمي
المبخرة؛ دارت بها حول رأسي؛ ودعت لي بالعمر المديد؛ والمستقبل السعيد؛ وأن يبعد
عني المولى شياطين الجن والإنس. وعيون نساء المدينة والقرية. فأضحك من أمي؛ وأقبل
يدها وجبينها. ولكنها تواصل التمتمة. وبالإبرة تفقع عيون العروس الورق. أخر
كلماتها بالستر؛ وأن أنجب عشرة أولاد. كلهم ذكور. لآن الأمهات (كما الجدات) يكرهن
ولادة البنات. حتى لا يُصبحن معيرة العائلات؛ بأن إنجابهن بنات!! وظل الصياح الباك
لأمي (ها تعنسي يا بنتي؛ وها يفوتك القطر.).
لم أكن أهتم. وفي
كل مرة؛ كنت أمازحها عن هذا القطار الذي يقتحم حظ البنات؛ يدوس مستقبلهن(إكسبريس
يا أمي هذا القطار؛ أم قشاش؟! يسير بالكهرباء؛ أم بالكاز؟! سيصل إلى محطتي؛ أم
كالعادة سيحترق بما فيه؟!). وفي كل الاحوال؛ لم تكن ردودها أكثر من نظرة تائهة.
إبتسامة جريحة في إحساسها المقلي بالقنوط. بالدمع. بالشفقة. وأنا أطبع قبلة حانية
على خدها الصافي. أسترق السمع لدقات قلبها الواهن؛ اللاهج بالدعاء؛ أن يهديني الله
من جنوني؛ وولعي بفنون التصوير الضوئي!!. وزهوي بكل صورة ألتقطها من صخب حفلات
الزفاف العديدة؛ وأعياد الميلاد. دون أن أعلم أن دموعها حين تذرفها (عند كل زغاريد
قران؛ أو حفل زفاف؛ أو عيد ميلاد) لم تكن دموع فرح. بل كانت دموع رثاء؛ آلام حزن.
بسبب رفضي لكل عريس يتقدم لي. ودهشتي من بكائها؛ ولهفتها على مصير ثمره. بينما
أشجار الغابة ومحاصيل الحقول؛ كثيفة؛ مزدحمة؛ مفعمة عن أخرها بالثمار!!.
كان الغضب يختلط
بالخوف في صدر أمي؛ بينما روحها تتلوى آلماً؛ تتمزع يأساً؛ تتساءل عن(العِلة) التي
ألمت بي. وأسباب ردي الأعرج. صدي الأبله. لا مبالاتي من سكين الأيام؛ وهى تسرقني
بعيداً عن حُضن أحلامي الشابة؛ الفتية؛ وبريق (كوشة) العُرس الوردي؛ وهى تتآلق
بثوب زفافي الأبيض. متأبطة ذراع عريسي إلى بيت العدَل؛ وليلة الدخلة حلم كل
الصبايا. ثم فجأة ترحل أمي؛ فأبقى وحيدة مثل عروس الغابة التي لمستها عصاة ساحرة
خبيثة؛ فنامت؛ تحلم والشمس طالعة!!. وتبقى الكاميرا بيدي؛ أصوبها للكل؛ هروباً من
الجميع. ومع الزمن؛ لم تعُد تجدي؛ لا قناعاتي القديمة (ولا أحلامي السعيدة) لألحق
بركب قطر الندى. تغمرني الزغاريد بين الزوايا. الجدران. الوجوه. الأسماء. باحثة
(دون جدوي) عن رصيف محطة وزئير قطار؛ فلا أجدهما. ساكبة أحلامي على كل وجه مخدوش
مثلي بالقنوط؛ باللهفة الجريحة. مصوبة العدسة (كمدفع) نحو ملاذي؛ مكمني الحائر.
أنوثتي الظامئة؛ الذابلة. يلسعني صخب الصور المشوشة. جدران الغرفة الباردة. العمق
القاتل في ذاكرتي ووجداني. ذكرى الأحبة وروائح الأمكنة. صوت الأحداث الجميلة
والفاجعة. ضمة شوق؛ أو فراق باك. صوت أمي وهى تضحك؛ ثم تبتعد ضحكاتها بطيئة؛ ثم
تنكسر؛ ثم تئن. صفير ابن الجيران إلى البنت المطلة دائماً من الشرفة وهو يخفت داخلي.
تبهُت صورته. وكأن ريحاً (ضعيفة) من تراب ودخان تسحبانه إلى وراء. بعد أن ملأت
عيناه وفمه. ما أفظع وجهه وهو يعتم بداخل ذاكرتي. لما كان يعتز بي. يعطرني بعناية
عاشق صغير. ما أتعسني؛ وكل شئ يسعى إلى ركون القاع؛ وكل صوت ينفلت؛ وكل وجد يذبُل.
يلفه الصمت والخواء. لا هُما الموت؛ ولا هُما الحياة. لا هُما الكراهية؛ ولا هُما
الحُب. لا هُما الحقد؛ ولا هُما التسامُح. ولكني لم أعُد أبالي باجترار ما تبقي من
ذاكرة. والأيام تمُر كئية؛ رتيبة؛ باردة. والساعة تدق على الجدار؛ تنهش دقاتها
البطيئة ما بقى في قلبي من حزن وفرح؛ ولا مبالاة واكتراث. والمرأة (العجوز) لا
تزال تحدث نفسها دائماً بصوت مسموع من وراء الشرفة. كنت وأنا طفلة أدق لها فوق
الحائط قبل أن أنام. فترد دقاتي؛ وهى تدمدم بإسم رجلها الذي هانت عنده لآنها عاقر؛
لا تنجب. وكلما هدأ صوتها وتلاشى؛ أمد رجلي؛ وأترك فراشي (البارد) وأعود إلى
الشرفة لأراها مرة أخرى. ولكن بدون هلوسة هذه المرة. وهى تمد لي يد مرتعشة؛ مطبقة
بضعف على كوب الحليب. وأمد أنا جسدي (الثقيل) من فوق حبال الغسيل والمشابك البلاستيك.
لأبحث بداخل الغرفة (المهملة) عن أشياء؛ أو حاجيات حيَّة. فلا أرى غير فوضى وعبث
وروائح غريبة ومبولة. تفزعني تلك الأشياء؛ وأحس برعب ورغبة في القئ. ويرق قلبي؛
ويملؤه (لماذا جحظت عينا المرأة؛ وانتفخ وجهها؛ وتشعث شعرها كغريق؟!).
في الماضي
القريب؛ كنا نتحدث سوياً (أنا وهي) في كل شئ. وكانت تدهشني ثقافة واسعة؛ ولغات
متعددة. كل ذلك؛ رغم فقرها المعدم في الليل؛ وهذيانها الدائم الذي كان يملؤني
رعباً؛ وكأنه معي في الغرفة. وكل شئ كانت تغمره ملامح قديمة؛ وروائح (يوريا).
وعندما قمت بزيارة أمي في لحظاتها الأخيرة؛ رأيتها وهى تجلس على مقعد معدني بوسط
غرفة بيضاء؛ وبين يديها صورة أبي في إطار خشبي منمق؛ ذهبي. كانت أمي تجلس في هدوء
من يبحثون عن إجابة لسؤال عُمر. ووجدوه عبر ذاكرة قديمة؛ متوارثة؛ في تسلسُل.
لحظتها شممت روائح غريبة. مع أن غرفتها كانت نظيفة بفعل إكرامية دائمة لعاملة
العنبر!!. روائح تشبه (الديتول). أو مادة حفظ جثث الموتي. تلك الرائحة التي نشعر
بها بعد موت عزيز لدينا؛ ورؤية أشيائه القديمة بعد سنين وسنين. تلك الرائحة التي
تتسلل بطيئاً إلى أنوفنا؛ ثم تختفي وتتركنا في صمت وذهول بليدين؛ بعد أن تأخذ معها
روائح حقيقية لأشخاص حقيقيين. مخلفة وراءها بهوتاً وسكون. فلا نهلوس؛ ولا نموت؛
ولا نحيا. حينها لمحت وجه أمي الذابل؛ وإرهاقها؛ وهى تحاول أن تمسك ببعض وجد. وهى
تقبلني. تستحثني القبول بأي عريس والسلام. وقتئذ كنت قد تراخيت في لا مبالاة.
وجلست أمامها دون اكتراث. ودون وجد. وبعد رحيل أمي؛ لم تنقطع صورة إبن الجيران.
دائماً تجئ؛ تغزو وحدتي؛ وهو يهذي معي؛ ولكن في صمت؛ تحجبني عنه غمامة من بُعد
وفراق. غمامة ترابية يختفي وراءها؛ وكأنه دمية من ورق. وظلت تجئ (ملازمة أيضاً)
صورة أمي؛ كهيكل متآكل في صندوق زجاجي مترب. وهى تمد يدها بكوب الحليب المخلوط
بالقرفة والجنزبيل. ثم تهذي. فأقول لها (إن هذياني لا يأتي سوى في الليل. عندما
تبدأ مخاوفي. عندما أحملق في الجدار الأصفر للدولاب. وهذا الشئ الأسود فوق اللون
الأصفر. شئ على شكل مربع؛ على شكل إطار صورة. والصورة لفتاه بملابس العُرس الطويله
البيضاء؛ تمسك بأصابعها الملفوفه "كأصابع الموز" باقة ورد؛ وإلى جوارها
شاب طويل الوجه؛ له شارب أسود؛ منمق.).. وبعد ذلك؛ تفر الذاكرة من هذياني. وتتسلل
رائحة إلى أنفي. وتملؤني رغبة في الصمت. وألوذ بأضواء أحلام (دميمة)؛ لم تعُد ترسم
البسمات والقبلات والأحضان الدافئة. وأقفز (كقطة برية لاهية) أبحث عن صورة الحلم
السغيد (المجهول) من بين عشرات الصور المبعثرة (كل ليلة) في الخيال والقلب والعقل
والناس. وأنقب عن صورة الفارس المحب والحصان الجامح. فلا أجدها. لا أراها. وحين
أدقق؛ أتأمل؛ أتمعن؛ أعثر (وفي لحظة خاطفة) على صورة وحيدة باكية في المرآة. صورة
ذابلة؛ جامدة؛ تنظر نحوي دون أدنى اكتراث. إنها الشيخوخة إذاً.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق