الأحد، 23 أبريل 2017

أحمد وسِرْ القرية العفية قصة للفتيان من سن 12 - 15 تأليف السيد القماحي


 أحمد وسِرْ القرية العفية
قصة للفتيان من سن 12 - 15
تأليف السيد القماحي

     قال أحمد :
     ذاتَ يوم .. كنت أتجول فى السوق ، وشاهدت فلاحاً عِملاقاً بطولٍ وعرض .. لفت نظرى إليه .. وكان يبيعُ الفاكهة والخضار ..
     قُلت فى سِرى :
( هذا الفلاح . حقه ألا يكون بائعاً بل مُصارعاً )
    فقد أدهشنى بقامته الفارعة ، وعضلاته المفتولة ، وملامح وجهه النضرة ..
الخلاصة ، لم أُشاهد فلاحاً بهذه الهيئة من قبل ..!
     وكُنت أرىَ الفلاحين فى قريتى ، والقُرىَ المجاورة بقاماتٍ قصيرة ، وأجسامٍ هزيلة ، ووجوه ضامرة مُرهقة ..
     ( لا يُمكن أن يكون هذا الفلاح من قريتنا )
      هذا ما قُلته فى سِرى أيضاً ..!
   إتجهت إليه ، وألقيت التحية :
- مرحبا .. هل جئت إلى سوقنا اليوم ، لأول مرة ؟
فأجاب :
- نعم
- من أى قرية أنت ؟
- من قرية ( العفية ) ..!
     وتذكرت تلك القرية ، إنها على بُعد أربع أو خمس محطات بالقطار جنوباً ، فى أعماق الصعيد ، وتقع تقريباً أسفل الجبل الشرقى مُباشرة .
     لفت نظرى أيضاً ، الخضار الذى يبيعه ، وفاكهته ، وهتفت فى سِرى :
( يالجمال هذا التين ، وهذا الخيار ، وهذه الطماطم ..!
     كانت فاكهة وخضروات مُختلفة ، عما تعودنا أن نُشاهده فى سوق قريتنا ، أو فى حقُولها .
     واشتريت بعضاً من هذا الخضار ، وتذوقته بعد غسلِه ، عندما عُدت إلى البيت..
     ( ما ألذ طعمه ) ..!
     وتأكد لى ، أن بضاعة هذا الفلاح العُملاق ، ليست عادية ، بل وليست مُختلفة فقط فى شكلها الملفت كصاحبها، وإنما أيضاً فى طعمها اللذيذ وحلاوتها ... وصممت على أن أذهب إلى قرية ( العفية ) هذه ، لأُشاهد مزارعها وحقُولها على الطبيعة  لعَلىِ أقع على سِر هذه ( الطعامة ) اللذيذة فى مزروعاتها ..!
     وأنا فى طريقى إلى محطة القطار ، إلتقيتُ بفلاحٍ عجوز ، أعرفه من قريتنا ، وجدتنى أجلس بجواره ، وأسألُه قبل أن أستقل القطار :
- عم رشوان .. لقد شاهدت بالأمس ، فى سوق قريتنا فاكهة وخُضاراً ، لم أُشاهد مثله ، أو أتذوق أحلىَ منه ، كان يبيعه فلاح غريب عن القرية ، هذه البضاعة المختلفة كل الإختلاف ، عما نزرعه فى حقولنا .. ما السِّر ؟
     فقال عم رشوان العجوز :
- رُبما ما شاهدته يا ولدى ، من خضار وفاكهة مما يحقنون شجرُه ، أو مما يرشونه بمسحوق كيماوى ، يجعلُه أضخم حَجماً، وأنضَّر شكلاً ، لكنه بلا طعم أو رائحة..!
- عفوا يا عم رشوان .. قُلت أن ما شاهدته وتذوقته ، ليس جميلاً فقط ، بل لذيذاً فى مذاقه أيضاً .. إنه يذكرنى بزراعات زمان ، التى مازلتمُ أيها الكبار ، تصرون على ترديده ، على أسماعنا ليل نهار ، وتتحسرون ، ونتحسر معكم على إختفائه .
     فقال الفلاح العجوز :
- دعنى أُكمل كلامى يا ولدى ، خضرواتنا زمان ، كانت تبدو أصغر حجماً ، نعم، وأقل لمعاناً نعم ، لكنها أكثر صحةً وأكثر سلامةً ، وأماناً ، من زراعات اليوم ، لأنها تخلو من الكيماويات، والمبيدات ، والمواد السامة الغريبة ، التى صاروا يحقنون بها الشجر ، أو يرشونها على مزروعات هذه الأيام ..!
     فقلت مُعقباً :
- كَما يحقنون الدجاج أيضاً ، بحُقَن الماء ، ليبدو مُنتفخاً كبير الحجم ، ولكى يزيد وزنه عند بيعه ..!
     فأضاف العجوز :
- نعم .. لذا .. لم يكُن غريباً ، أن نرىَ ونسمع ، عن عدد المرضىَ ، المكتظة بهم المستشفيات ، هذه الأيام .. وعن الأمراض التى إنتشرت ، ولم تكُن بلادنا تعرفُها من قبل .
     فقلت مُجدداً :
- لكن يا عمى .. هذا الفلاح العُملاق ، الذى شاهدته لا يُمكن أن يكون مريضاً بأمراض هذه الأيام ، بل هو يبدو فى كامِل الصِّحة والعافية ، وهو على إستعداد لهدم جبل بمفرده ، أو تحطيم جدار ضخم من الحجارة ، لا يستطيع هدمه مائة ثور..!
     فضحك العجوز ، وضحكت معه وقال مُعلقاً :
- عجباً ، رُبما كان هذا فلاحاً جاء من المريخ ..!
     ثم أضفت أقول :
- ما يحدُث للناس ، من جراء المزارع الملوثة ، هذه الأيام ، رُبما يكون صحيحاً ، يا عم رشوان .. لكن ما شاهدته وتذوقته أنا بالأمس ، من خضار وفاكهة هذا الفلاح الغريب ، لا يُمكن إلا أن يكون صحيحاً أيضاً مثل صحة جسمه .. ما السِّر ؟ .. هذا ما أُريد معرفته منك الآن !
     فقال لى عم رشوان مُتحيراً :
- رُبما السِّر يا ولدى فى نوع الأرض ، التى زُرعت فيها هذه الخضروات ، وهذه الفاكهة .. إما هىَ أرض رملية أو جبلية صفراء أو حمراء ، أو هى غنية بالطمى كثيرة المعادن ، هذا بحسب لون وكمية المعادن ، التى تحتويها طبيعة هذه الأرض .
     فقُلت :
- رُبما .. لكننى مُصمم الآن .. مُصمم جداً !على معرفة الحقيقة!
     وركِبت القِطار ، ونزلت فى قرية ( العفية ) ، ولاحظتُ فعلا أُناسها الأصحاء الأقوياء ..! وتذكرت الفلاح الذى رأيته.
     وقُلت بينى وبين نفسى :
     ( تُرىَ هل لأنهم أُناس صحراويون ، يسكنون قُرىَ قُرب الجبال ، وينعمون بمناخها الصِّحى ، وهوائها النقى ، ويزرعون على أرض رملية ، بِكْر وخِصبة وغنية بالمعادن ؟
     وشخصت مُباشرة أُسرع الخُطى ، برؤية المزارع ، وتفقُد الحقول القريبة من هذه القرية .
     وعلىَ بُعد مسافة ، قُرب جبال ضخمة ، مُمتدة شمالاً وجنوباً ، لفتت نظرى ألوان براقة ، تسطع بشدة ، كما شاهدت أجساماً غريبة ، تعكسُ أشعة الشمس !
     وحين إقتربت أكثر ،  تأكد لى أن الذى يسطع هناك (عُرُشْ ) من البلاستيك الملون ، تراصَّت فى خطٍ مُستقيم ، فى مُحاذاة الجبل ، الواحدة وراء الأخرىَ ، كأنها عربات قِطار .
    وكانت تُغطى تحتها ، مساحات مُستطيلة من الأرض ، زُرعت بالخضروات ، وكانت ( عُرُشْ ) ملونة باللون الأحمر، والأزرق والأصفر !
     وسألت فلاحاً واقفاً هُناك :
- لماذا يا عم هذه ( العُرُشْ ) البلاستيك الملونة ، تغطون بها مزروعاتكم ؟
    فقال :
- هذه ( العُرُشْ ) الملونة ، تجعل الخضروات تنمو نمواً جيداً ، لأن كل نبات يُفضِل لوناً خاصاً يحبه ، من ألوان الطيف السبعة للشمس !
     وأضاف :
- خضار الطماطم مثلاً ، يُفضِِّلُ اللون الأحمر ، والباذنجان ، يُفضِِّلُ اللون الأزرق ، والخيار ، يُفضِل اللون الأصفر،..! وهكذا .. لهذا ينمو هُنا الإنتاج ، أسفل هذه ( العُرُشْ ) جيداً جداً ، ووافراً وجميلاً ، وحجمه معقولاً وطبيعياً ، ويظلُ بعد قطفه ، مُدة أطول طازجاً !
     وأومأت برأسى للفلاح شاكراً ، وسِرتُ فى طريقى عائداً إلى محطة القطار ، وأنا أحدث نفسى :
     ( إذن .. هذا هو السر ) ..!
     ثم وأنا أستقل القطار ، إلى قريتى ، نبتت فى ذهنى أغرب فكرة ، تحمست لها جداً ..!
- فكرة مشروع كبير ( للعُرُشْ الملونة ) .. أقيمه ( شِركة ) مع أصدقائى .
     وقد كان ..!
- وشَاع فى قُرى الجنوب ، غير الجبلية ، الخضار النظيف ، الخالى من السِّموم ، والفاكهة الطبيعية الحلوة ، الخالية من المبيدات ، ومن الكيماويات .
     وعرفت أن المسألة ، ليست قاصِرة على نوع الأرض الطينية ، أو الرملية ، أو الجبلية ، وإنما على التصميم القوى ، والتحدى من أجل التغير إلى الأحسن والأجمل، وعلى الإرادة الكاملة ، فى طاقة الشباب ، وفى تطبيق أفكارهم الجديدة النافعة.
     وهكذا كان مشروع ( العُرُشْ ) بالألوان ، الذى أُشتهرَت به قريتنا ، حافلاً بالخير وسلامة الصِّحة لأبنائهم ، حتىَ أُطلق عليه إسم ( القرية العفية ) !!
إنتهت


ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

لمحات من أحد طواغيت التاريخ (ستالين) (الإله.. الذي أنكروه) - عزت عبد العزيز حجازي - من كتاب جبروت الطاغية وطغيان الحاشية)

¨   بعد أن أطلقوا عليه في حياته أسماء كثيرة، كادت أن ترفعه إلى مقام الآلهة أو الأنبياء.. فقد قالوا عنه أنه:(أحب شعبه؛ وأنه "ال...

المشاركات الشائعة أخر 7 أيام