قصة قصيرة
أغنية في المساء
فور هبوط قائده من الباص العائد به من
أجازته الميدانية.. يتقدم نحوه بمحياه الذاوي.. وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة مُفعمة
بالحفاوة.. ضارباً الأرض بكعب حذائه الميري.. فارداً كفه بمحاذاة جبهته.. وقبل أن
يتناول عنه حقيبة يده الجلدية السوداء: "حمد لله على
السلامة يا افندم"
"تسلم..
كيف أحوالكم"؟!
"الحمد
لله يا افندم"
"إذاً..
هيا بنا"
يستقل
القائد العربة الجيب بجوار الجندي.. وبعد لحظات.. تثب.. تتراجع.. تنفث دفعة من
الدخان.. تستدير نحو الشمال. فيطلب القائد من الجندي الإستدارة نحو الغرب.
تعلو
الدهشة وجه الجندي لبرهة.. وقد بدت الشمس فى مغربها يشطرها خط الأفق الى نصفين..
تنز اشعتها فى لون الدم المُحتقن.. وبانتباهة:"إلى أين يا افندم؟!."
"نقطه 14 مراقبه".
يبهت لون الجندي؛ وتهتز عجلة القيادة في يده؛ فينهره
قائده:"ماذا بك؟!."
بتلعثم:"لا شئ يا افندم؛ لا شئ"
"إذاً: إنتبه إلى الطريق؛ وأسرع بنا"
بحماس مفتعل:"تمام يا افندم"
قافلة من البواخر عن يسار العربة.. تعبر ببطء نحو
الجنوب.. على صفحة المياه آلاف من قروش الضوء.. تقيم حفل راقص من باليه بحيرة
البجع.
المياه زرقاء.. فيها
يود وانطلاق ورحيل.. وجبل عتاقة -على الضفة الأخرى للقناة-
لا أثر للغبار فوقه.. لطول ما صفعت صخوره رياح الشتاء المنصرم.. فبدت كمجموعة من
الرجال تاهت في الصحراء.. ثم وقفت تسدد النظر في اتجاه الشرق.
تعدو
العربة وسط فراغ الصحراء.. وصفرة الرمال الممتدة حتى حد الأفق.. في تحدي خفي
للكون.. ويبقى:(هل يصبح المبصر كالأعمى في مواجهة هذا اللا نهائي الأصفر؟!).
لولا
التفاتة رأس الجندي -بين فينة وأخرى- لظنه القائد في إغفاءة.
العربة بمفردها على الطريق.
لا يطرأ أي تغيير على وضعية الجندي الصامت.
منعطف عليه عامود إسم بقعة وصول.
يتسع الأفق وراء منخفض يستقبل العربة بكآبة.. مروحية ترتفع
في خط منحنى إلى مركز الكون.. تبدو كنقطة بيضاء.. تُغير اتجاهها.. تهوي.. كأن
الطيار قد فقد كُل سيطرة عليها.. تستقيم.. تطير في اتجاه معاكس.. يختفي صوتها!.
ينزل الليل هادئ.. ناعم.. كوبر قطيفة.. يخفي ملامح أشياء.. يذيب رمال وصخور
وبقايا نهار.. يخيم ظلام.. يضيع في غروب بعيد.
تقترب
العربة من الممر الجبلي.. وهناك:(ماذا لو أحصينا عدد من قتلوا هنا دفاعاً عن الوطن؟!
ومنذ أن نزلها الإنسان؟! بالتأكيد سيصدر بهم بياناً تستمر إذاعته مائة عام بلا
توقف.. نموت ولا ندرك آخرهم!).
يبتسم
القائد للخاطر.. تنزلق العربة –برفق- فوق المُنحدر الثعبانى.. المُعتم.. المُحاصر
بسلسلة الجبال الشاهقة.. وبين الحين والحين.. تحاول تفادى الإرتطام بأرنب برى -من
هنا أو هناك- غشى عينيه –للحظات- الضوء الباهر لفوانيس العربة الأمامية!.
بعد
العبور الآمن.. يُشير القائد لسائقه.. بالإنتباه أكثر لحقول الألغام وراء الأسلاك
الشائكة.. الممتدة على جانبى المدق الترابي الوعر.. البادئ من ذيل الممر.. وحتى
بداية المدق الأسفلتى الناعم.. فيبتسم الجندي؛ وهو يشير إلى رأسه:"إطمئن يا افندم..
المكان هنا كالخريطة"
تنبدو العربة كشرارة ضئيلة من الحياة.. والليل ساكن.. لا يكشف سراً؛
ولا خبراً.. يكفنه ظلام.. واد مقفر عن اليمين؛ يبدو كوعاء ضخم من الرمال
والنتوءات.. يزداد حفيف شجيراته السوداء.
روائح موت من كل جانب.. وثبات أشكال غامضة.. هياكل
دبابات وعربات محترقة.. أشباح قصيرة.. مظلمة.. هسيس.. أصوات صراصير.. جنادب.. عواء
ذئاب.. نباح كلاب. وعن اليسار.. تتوالى تباب هائلة.. وجبلاً يفضي إلى جبل فوقه..
كأنها سلالم تقود إلى السماء.. سوداء.. متجمدة!.
يمر وقت عصيب.. غير قصير.. وفي إثره؛ يأمر
القائد سائقه بإطفاء الإنارة الأمامية والخلفية للعربة وإسكات الموتور؛ والإكتفاء
بقوة الدفع الذاتى للعجلات المُنزلقة على المنحدر.. حتى لا يشعر بهما أحد من جنود
النقطة.
تصل العربة الهوينى إلى مكان البرميل الموضوع على
جانب المدق الدال على مكان النقطة البادية -من المشهد التحتانى للتبة- كسنام فوق
ظهر جمل بارك فى انتظار صاحبه.. أو كعلم أسطوري من أعلام الكون.. أو كقطعة قضت من
صخر تتمنع على من يريد الإستيلاء عليها.. ويبقى:(هل تزحزحها ذات يوم هبة ريح.. ثم تأتي هبة أخرى؛
فتزحزحها أكثر.. ثم تهوي مع الهبة الثالثة.. فتحدث دوياً هائلاً.. وهى تتدحرج بقوة
مندفعة إلى القرار؟! أم تبقى في مكانها رغم الزوابع والأعاصير؟!).
يهبط
القائد من العربة في هدوء.. يتقدمه الجندي.. وهو يشير للقوس الذي يشبه قوس النصر..
الدال على بداية المدق الصخري الصاعد بلولبة.. والنقطة تتربص عند قمة التبة
بارتفاع كبير.
يتخطى
القائد صهريج للمياه عن يمينه.. وهو يغوص –بهدوء- من فوهة القوس.. ويتقدم على
الرمال لعدة أمتار.. قبل أن يصعد على المدق الصخري الوعر.
بعد
عناء شديد.. ووقت غير قصير.. يصل القائد إلى النقطة بنصف انتصابة.. وفي لهاثه:(كان
الله في عون الجنود). ووسط العتمة والسكون.. يهمس الجندي لقائدة:"يبدو يا افندم
أن الجميع في سابع نومة"؟!
بلهاث
عال:"سنرى.. خطي ورائي.. وخذ بالك من السلك الشائك.. والخندق"
بخطوات
حريصة.. وتحت نجوم تتغامز فيما بينها.. ترسل ومضات قصيرة.. يكاد القائد أن يزحف
بمحاذاة حائط النقطة.. ومن الداخل.. يتسلل الى سمعه سرسوب من صوت لأغنية تلون المساء..
فيميل الجندي على قائدة:"مزاجهم عال يا افندم.. ولا على بالهُم"!
يمتعض القائد من إشارة الجندي؛ ولا يلتفت
إليه.. ويمضي في طريقه.. يغريه الهدوء الشامل.. وخلو المكان من الحراسة الليلية..
عازماً على سحب التليسكوب الميداني من على منصته والهبوط به.. وفي تلك الحالة..
يحق له أن يُعاقب أفراد النقطة على إهمالهم الجسيم.
يرمى القائد نظرة صقر على مكان تليسكوب مراقبة
السماء وتأكد خلوها من أي طائرات دخيلة.. فلا يجده على المنصة الأسمنتية المحاطة بسور
واطئ نصف دائري.. فيهمس:"ما هذا؟! هل باعوا التليسكوب؟! أم نائماً هو الآخر
بالداخل؟!"
يكتم
السائق ضحكة كادت أن تفر من عقالها:"من المؤكد باعوه يا افندم"!
ينظر
القائد إلي تعليق الجندي في غضب.. ويأمره بالمغادرة؛ وانتظاره عند العربة.
يهبط
الجندي منكس الرأس.. وقبل أن يتجه القائد إلى داخل الموقع.. يفاجأ بصيحة من
خلفه:"قف.. من أنت؟! إثبت محلك.. ولا حركة"
يلتفت
القائد بذعر مكتوم:"لا تطلق النار؛ أنا قائدك"
"كلمة السر؟!"
"نجمة"
يدق الحارس الأرض بكعب حذائه.. مع خفض البندقية
على يده اليسرى.. ووضع يده اليمنى على البندقية؛ وفي مباغتة:"أين التليسكوب
يا جندي"؟!
"في المبيت يا افندم!"
"في المبيت؟!"
"صيانة يا افندم"!
"وقائد النقطة؟!"
"في المبيت يا افندم"
"صيانة؟!"
"لا يا افندم"
يطبع القائد ابتسامة نحيلة على وجهه:"والمبيت"؟!
"في مكانه يا افندم"
يبتسم
القائد من جديد ويتقدم بهدوء في الممر الضيق الموصل لمبيت الأفراد.. ينحني تحت
السقف الصاجي الواطئ.. وعند عتبة باب المبيت الخشبي.. المشرع إلا قليلاً.. يقف
بجانب.. فلا ينتبه إليه أحد من أفراد المبيت المنهمك اثنين منهم في تقطيع العجين
إلى كرات ورصها على لوح خشبي مبدور بالردة.. وانهماك اثنين آخرين في فرد الكرات
على سطح طاولة خشبية في رُكن المبيت.. وبعد قليل.. ينتبه له قائد النقطة.. وهو
يجلس على حصيرة رثة ضاع زهاء لونها إلى الأبد.. ويقوم على صيانة التليسكوب وتنظيفه
من الغبار العالق به.. وفي ثانية.. يهب واقفاً بالتحية العسكرية.. يتبعه باقي
الأفراد المذهولين من وجود قائدهم معهم.. وفي هذا الوقت من ليل سيناء.
ينحني
القائد أكثر على عتبة باب المبيت.. لتجنب ارتطام رأسه بالحلق.. وفي الداخل.. وعلى
ضوء اللمبة الكاز المعلقة بمسمار صدئ على الحائط العاري.. الباهت.. الخشن..
المملوء بالشقوق والثقوب.. يسلم يداً بيد على جنود النقطة.. ثم يربت على كتف
قائدهم.. يثنى على يقظته وجنوده.. وبخاصة الحارس الذي قام باستدراجه حتى وقع فى
المصيدة التى نصبها له بأحكام.. منذ ان شاهده –مع الجندي- يصعدان المدق الصخري
كأشباح الليل.. فأفسح لهما.. مُتربصاًً بهما.. من ثقب الجدار الصاجى لـ برميل
الحمام الموضوع فى طرف النقطة.. فى الجهة العكسية لممر الصعود والهبوط!.
يقوم
القائد –مسروراً- بالتفتيش على كود الشفرة الورقي.. السلاح.. الذخيرة.. اللاسلكي..
بطارية شحن اللاسلكي الشمسية.. التليسكوب.. التعيين القتالي.. جراكل السولار
والكاز.. جراكل المياه.. علبة الإسعافات الأولية وما تحويه.. ولا يفت القائد أن
يشارك الجنود -بما فيهم الجندي المرافق- في تسوية الخبز على صاجة كانون النار الطفلي
وراء مبنى النقطة.. وتناول الجبن الأبيض والخبز الشاهي.. الساخن.. والختام بالشاي
الأسود المغلي على جمر الوعاء الفخاري البادي كحشرة كبيرة نافقة على سطح التبة
المبدورة بالعتمة.. بضحكات القائد وجنوده.. بخطوات الجندي القائم على الحراسة.. بسرسوب
جديد من أغنية تلون المساء!!!!.
إنتهت

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق