الخميس، 24 نوفمبر 2016

الصرخة قصة قصيرة تأليف عزت عبد العزيز حجازي

 الصرخة
قصة قصيرة
تأليف
عزت عبد العزيز حجازي


 

تتأرجح
الرؤى على قارعة الطريق؛ يهتز بشدة كوب الماء فوق المنضدة؛ يسقط مع المنضدة؛ يفيض الرعب على ملامح الوجوه والأفئدة؛ تمتزج الزوايا؛ الأركان؛ الجدران؛ القباب؛ الساحات؛ التكايا؛ بصيحات الفزع والقنوط؛ عربدة حامل المنجل؛ صاحب العباءة السوداء؛ وفراغات الجمجمة.
تتلاطم دمدمات الفزع الصاخبة؛ ذرات التراب الرمادي اللون؛ تلفح الأجساد؛ الوجود؛ الأدمغة؛ أعمدة الأمكنة؛ بلهيب الغبار الكثيف؛ بدعوات التضرع إلى الله أن يحفظ عباده الصالحين مع غيمة ترتل: إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة؛ خافضة؛ رافعة. صدق الله العظيم.
روح الغيمة تهطل على تربة الأمكنة؛ تتهادل رذاذاًً لا مرء؛ ثقيل الخطي؛ يولول بآنين اليقين؛ بنواح غراب البين؛ بالنصل والفصل وحد السكين؛ باختبار الديان الأحد الأمين.
ينتفض على كرسيه الوثير؛ ينتصب كنخلة مائلة وسط الغرفة الباردة مكيفة الهواء؛ ينقض كالنسر على حذائه الجديد غالي الثمن؛ رزمة أوراقه الهامة؛ حقيبة يده الجلدية الفاخرة؛ تليفونه المحمول من الجيل الأحدث؛ حزمة مفاتيحه الذهبية من العيار الثقيل.
يهبط درج السلم الحلزوني لقصره الكبير؛ يقطع الرواق؛ الأرض مبلطة بالرخام المضلع؛ والنافورات على هيئة أسود؛ والجدران مغطاة برخام متداخل الألوان والتكوينات؛ تتدلى من السقف سلاسل المشكاوات والقناديل والمشاكي والثريات والأيقونات والقلادات والمقرنصات؛ والشرفات قرمزية عالية؛ بتكوينات ومنمنمات زجاجية ملونة؛ مشيعاً بنظرتها الفزعة؛ لهفتها الجريحة؛ صرختها المدوية: خذ ابنك معك.
مع كل قفزة من قفزاته الأرنبية؛ هرولاته اللولبية؛ دحرجاته السّلمية؛ يتكئ بقبضتة الثقيلة على شريط الدرابزين الفضي؛ المضفر ببروزات الرسوم والألوان الزاهية؛ يغادر البوابة الزجاجية ذات الزخارف المحلاة الرأس بحكمة؛ أو مثل؛ أو آية من الصدف؛ والمزدانة على الجانبين بالتمثالين الصينيين الباديين كإلهين؛ آية في الوقار والنعاس.
يتلقفه خواء ظلام البدروم الرطب؛ كرسي عربتة الوثير؛ الشارع الواسع الطافح بالبشر من كل اتجاه؛ يتسربون كأشباح الموتى من الحواري والأزقة والعطوف وأحواش القبور؛ عرايا؛ أو شبه عرايا؛ تلفظهم البؤرة الخلفية للمشهد الدامي؛ المغمور بحِمم الجحيم.
تهرول فزعة إلى إحدى زاوية الركن؛ تنزوي؛ تقرفص؛ تتقوقع علي طفلها؛ ثم لا شئ.
يتوقف الزمن على نصل سكين القدر؛ تبدأ البلدوزورات في رفع الأنقاض والأشلاء؛ شلالات من دماء الضحايا الممزوجة بالتراب القاني؛ ومن جوف الإنتظار؛ ومن أحشاء اليأس؛ ورائحة الموت؛ تمتد يد المطرقة؛ تلتقط الطفل القابض بفمه على ثدي أمه.



ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

لمحات من أحد طواغيت التاريخ (ستالين) (الإله.. الذي أنكروه) - عزت عبد العزيز حجازي - من كتاب جبروت الطاغية وطغيان الحاشية)

¨   بعد أن أطلقوا عليه في حياته أسماء كثيرة، كادت أن ترفعه إلى مقام الآلهة أو الأنبياء.. فقد قالوا عنه أنه:(أحب شعبه؛ وأنه "ال...

المشاركات الشائعة أخر 7 أيام