أنا النخلة
: أصلى ثابت وفرعى فى السماء ، لى جذر ذو شُعَب يخترق باطن الأرض ، ويغوص فى أعماق
الثرى ، فيمتصْ الماء من مساربه ، ويجلب الغذاء من مظانَه (1) وساقى مستقيم
إسطوانى الشكل ، خشن الملمس، قد بسَقَ وطال ، وتكونت من قشرته الظاهرة مرَاق
مُمَهَدَّة ، يسهل الصعود فيها والإنحدار منها، لمن يرغب لإى إجتناء رُطبى ،
وإقتضاب(2) شطبى والكريم سهل المنال ، مبذول النوال ، وقد كُلَّلَت هامتى ، بتاج ×أخضر ، دون تاج كسرى وقيصر ، كأنه قبة مضروبة أو ظُلَّة منشورة ، يقينى وهج
الشمس ، ولفح الهجير وحسبه شرفا وفخراً، أنه أول ما يستقبل الشمس طالعة ، وآخر ما
يودعها غاربة . وإذا رأيتنى وقد أثقل أعذاقى(3) ما حملت من طلع نضيد ، رأيت قرة
العيون وسلوة المحزون : فمن رمَح أخضر، كأنه سُموط(4)الزمرُّد، وقلائد الزبرجد ،
فى أعناق الخرَّد(5) ومن بلح أحمر كأنه بنان مُخَضَّب ، أو صُرَرُ الياقوت ، أو
فصوص العقيق، ومن بُسْر أصفر فاقع لونه يسر الناظرين ، تخاله وهو يرف فى شماريخه
شُذور (6) العيقان ، أو عقود الكهرمان ، ومن رُطَب جنىّ كرُم أصله، وطاب فرعه ،
يذوب كالصمغ ، قبل المضغ ، وإذا تنسم الهواء إستخفنى الطرب، فأميل وأعتدل ، فعْل
النشوان الثمل ، فأنقَّط الأرض بالسقيط (7) يزدحم على إختراقه (8) الأطفال ،
إزدحام الورود على العذب الزلال ، وإن كانت العاصفة الهوجاء ، أحنيت لها ظهرى ،
وأسلمت لله أمرى ، فما يمسنى سوء ، ولا يصيبنى ضرر، وقد خصنى الصانع الحكيم ،
بمزايا تنقطع دونها ألسنة الشكر ، فقد مد فى عمرى ، وبارك فى ثمرى، وجرى ذكرى فى
محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه ، ورزقنى قامة ممشوقة مديده ، تفرَع الأشجار ، وتسمو
إلى مسابح الأطيار ، فإذا كنت فى البساتين والرياض ، وقد ذهبت فى جو السماء ، أليت
نظرة على الأرض ، فرأيت الأشجار دونى ، والماء يجرى من تحتى ، والعيون ترم رفعتى وجلالى
، فتنقلب خاسئة (9) حسيرة،
عرتنى ×هِزة ×الزَّهْو ، ونشوة الفخر ، فرقص سعفى فى الفضاء رقص المُعجْب والخُيَلاء ،
هذا إلى أنى أشبه
أنواع النبات ، بسيد المخلوقات ، أما ترانى كالإنسان
تذهب حياته ، إذا قطع رأسه ، وتفارقه رُوحه إذا شق جوفه ، ومن أخص صفاتى، أنى سهلة
الإستنبات، صبورة على المشقة والجهد ،
وفيَّة بالعهد، أعتمد على نفسى فى جلب قوتى ،وآتى أكلى كل حين بإذن ربى ، لذا عَظم
الناس قدرى ، واستسنُوا(10) قيمتى ، فتراهم يأبروننى(11)× ويرجبوننى (12) ويرقبون طلوع ثمرى رقبة الهلال ، ويفرحون به فرحة المطلْق
من الأغلال . أما عن منافعى فحدَّث عن الروض الزاهر ، والقمر الباهر ، فساقى
يُشقُّ طولاً ، ويقطع قِطًعاً ، ينتفع بها فى البناء ، وليفى تتخذ منها حبال غليظة
، وأخرى دقيقة ، مُغََارة(13) الفتل ، متينة الصنع ، وسعفى تسقف به الأكواخ
والمنازل ، وتُدَق عراجينى فيعمل منها مسَد (14) الناعورات ، ومكانس تُسفر (15) بها
القمامات . ومن خوصى الأخضر والأبيض ، تضفر القُفَّات ، وتنسج القبعات. وتمرى
الحَمْت (16) فاكهة طيبة ، وتمر شهى ، ومنه يستخرج الَّدبس(17) الحلو . والرُّبّ
اللذيذ ، وعجَمه (18) عَلَف الماشية،
وعليق الدواب ، وجُمَّارى جميل اللون ، ناصع البياض ، يُستطاب طعمه ، ويُستلَذ
أكله×.
×(1 ) مظانه : مواضعه
( 2 ) إقتضب : إقتطع ، والشطب : السعف الأخضر
( 3 ) الأعذاق : العناقيد ( 4 ) السموط : الخيوط فيها
الخرز
(5) الخرد : الحس
(6) شذور العقيان : قطع الذهب
(7) السقيط : ما سقط من البلح الأخضر السموط : الخيوط
فيها الخرز
(8) الإختراف : إلتقاط التمر (9) خاسئة حسيرة : ذليلة
كليلة
(10) إستسنى قيمته :
عدها رفيعة (11) أبر النخل : أصلحها ولقحها
(12) الترجيب : بناء دكان تحت النخلة تعتمد عليه (13) مغَار الفتل : مشدود الفتل
(14) المسد : الحبل (15) تسفر : تكنس
(16) الحمت : الشديد الحلاوة (17) الدبس : عصارة التمر
(18) العجم : النوى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق