الأحد، 22 مايو 2016

- تأليف عزت عبد العزيز حجازي (كتابات للأطفال)




     أنا النخلة : أصلى ثابت وفرعى فى السماء ، لى جذر ذو شُعَب يخترق باطن الأرض ، ويغوص فى أعماق الثرى ، فيمتصْ الماء من مساربه ، ويجلب الغذاء من مظانَه (1) وساقى مستقيم إسطوانى الشكل ، خشن الملمس، قد بسَقَ وطال ، وتكونت من قشرته الظاهرة مرَاق مُمَهَدَّة ، يسهل الصعود فيها والإنحدار منها، لمن يرغب لإى إجتناء رُطبى ، وإقتضاب(2) شطبى والكريم سهل المنال ، مبذول النوال ، وقد كُلَّلَت هامتى ، بتاج ×أخضر ، دون تاج كسرى وقيصر ، كأنه قبة مضروبة أو ظُلَّة منشورة ، يقينى وهج الشمس ، ولفح الهجير وحسبه شرفا وفخراً، أنه أول ما يستقبل الشمس طالعة ، وآخر ما يودعها غاربة . وإذا رأيتنى وقد أثقل أعذاقى(3) ما حملت من طلع نضيد ، رأيت قرة العيون وسلوة المحزون : فمن رمَح أخضر، كأنه سُموط(4)الزمرُّد، وقلائد الزبرجد ، فى أعناق الخرَّد(5) ومن بلح أحمر كأنه بنان مُخَضَّب ، أو صُرَرُ الياقوت ، أو فصوص العقيق، ومن بُسْر أصفر فاقع لونه يسر الناظرين ، تخاله وهو يرف فى شماريخه شُذور (6) العيقان ، أو عقود الكهرمان ، ومن رُطَب جنىّ كرُم أصله، وطاب فرعه ، يذوب كالصمغ ، قبل المضغ ، وإذا تنسم الهواء إستخفنى الطرب، فأميل وأعتدل ، فعْل النشوان الثمل ، فأنقَّط الأرض بالسقيط (7) يزدحم على إختراقه (8) الأطفال ، إزدحام الورود على العذب الزلال ، وإن كانت العاصفة الهوجاء ، أحنيت لها ظهرى ، وأسلمت لله أمرى ، فما يمسنى سوء ، ولا يصيبنى ضرر، وقد خصنى الصانع الحكيم ، بمزايا تنقطع دونها ألسنة الشكر ، فقد مد فى عمرى ، وبارك فى ثمرى، وجرى ذكرى فى محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه ، ورزقنى قامة ممشوقة مديده ، تفرَع الأشجار ، وتسمو إلى مسابح الأطيار ، فإذا كنت فى البساتين والرياض ، وقد ذهبت فى جو السماء ، أليت نظرة على الأرض ، فرأيت الأشجار دونى ، والماء يجرى من تحتى ، والعيون ترم رفعتى وجلالى ، فتنقلب خاسئة (9) حسيرة،
عرتنى ×هِزة ×الزَّهْو ، ونشوة الفخر ، فرقص سعفى فى الفضاء رقص المُعجْب والخُيَلاء ، هذا إلى أنى أشبه
أنواع النبات ، بسيد المخلوقات ، أما ترانى كالإنسان تذهب حياته ، إذا قطع رأسه ، وتفارقه رُوحه إذا شق جوفه ، ومن أخص صفاتى، أنى سهلة الإستنبات،  صبورة على المشقة والجهد ، وفيَّة بالعهد، أعتمد على نفسى فى جلب قوتى ،وآتى أكلى كل حين بإذن ربى ، لذا عَظم الناس قدرى ، واستسنُوا(10) قيمتى ، فتراهم يأبروننى(11)× ويرجبوننى (12) ويرقبون طلوع ثمرى رقبة الهلال ، ويفرحون به فرحة المطلْق من الأغلال . أما عن منافعى فحدَّث عن الروض الزاهر ، والقمر الباهر ، فساقى يُشقُّ طولاً ، ويقطع قِطًعاً ، ينتفع بها فى البناء ، وليفى تتخذ منها حبال غليظة ، وأخرى دقيقة ، مُغََارة(13) الفتل ، متينة الصنع ، وسعفى تسقف به الأكواخ والمنازل ، وتُدَق عراجينى فيعمل منها مسَد (14) الناعورات ، ومكانس تُسفر (15) بها القمامات . ومن خوصى الأخضر والأبيض ، تضفر القُفَّات ، وتنسج القبعات. وتمرى الحَمْت (16) فاكهة طيبة ، وتمر شهى ، ومنه يستخرج الَّدبس(17) الحلو . والرُّبّ اللذيذ ، وعجَمه (18)  عَلَف الماشية، وعليق الدواب ، وجُمَّارى جميل اللون ، ناصع البياض ، يُستطاب طعمه ، ويُستلَذ أكله×.







×(1 ) مظانه : مواضعه ( 2 ) إقتضب : إقتطع ، والشطب : السعف الأخضر
( 3 ) الأعذاق : العناقيد ( 4 ) السموط : الخيوط فيها الخرز
(5) الخرد : الحس  (6) شذور العقيان : قطع الذهب
(7) السقيط : ما سقط من البلح الأخضر السموط : الخيوط فيها الخرز  
(8) الإختراف : إلتقاط التمر (9) خاسئة حسيرة : ذليلة كليلة
(10) إستسنى قيمته : عدها رفيعة (11) أبر النخل : أصلحها ولقحها
(12) الترجيب : بناء دكان تحت النخلة تعتمد عليه  (13) مغَار الفتل : مشدود الفتل
(14) المسد : الحبل (15) تسفر : تكنس
(16) الحمت : الشديد الحلاوة (17) الدبس : عصارة التمر
(18) العجم : النوى




ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

لمحات من أحد طواغيت التاريخ (ستالين) (الإله.. الذي أنكروه) - عزت عبد العزيز حجازي - من كتاب جبروت الطاغية وطغيان الحاشية)

¨   بعد أن أطلقوا عليه في حياته أسماء كثيرة، كادت أن ترفعه إلى مقام الآلهة أو الأنبياء.. فقد قالوا عنه أنه:(أحب شعبه؛ وأنه "ال...

المشاركات الشائعة أخر 7 أيام